السلام عليكم
يقول الله تعالى في سورة الحجرات:"أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ".قال القرطبي في تفسيره:"مَثّل الله الغِيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه كما أن الحي لا يعلم بغِيبة من ٱغتابه. وقال ابن عباس: إنما ضرب الله هذا المثل للغِيبة لأن أكل لحم الميت حرام مستقذر، وكذا الغِيبة حرام في الدّين وقبيح في النفوس. وقال قتادة: كما يمتنع أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً كذلك يجب أن يمتنع من غِيبته حيًّا. واستعمِل أكل اللحم مكان الغِيبة لأن عادة العرب بذلك جارية. قال الشاعر:
<B>فإن أكلوا لحمي وفَرت لحومهـم ***وإن هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لهم مَجْدا </B>
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما صام من ظل يأكل لحوم الناس " فشبّه الوقيعة في الناس بأكل لحومهم. فمن تنقّص مسلماً أو ثَلَم عرضه فهو كالآكل لحمه حيًّا، ومن ٱغتابه فهو كالآكل لحمه ميتاً.
وقال الشوكاني:"مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحيّ لا يعلم بغيبة من اغتابه، ذكر معناه الزجاج. وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة، والتوبيخ لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية، فضلاً عن كونه محرّماً شرعاً " فَكَرِهْتُمُوهُ ".
وقال إبن عطية في تفسيره:"ثم مثل تعالى الغيبة بأكل لحم ابن آدم الميت، والعرب تشبه الغيبة بأكل اللحم. فمنه قول الشاعر سويد بن أبي كاهل اليشكري: (الرمل)
<B>فـإذا لاقيتـه عظّمـنـي ***وإذا يخلو له لحمي رتع </B>
واما إبن عاشور فقد قال:"وإنما قال: " ولا يغتب بعضكم بعضاً " دون أن يقول: اجتنبوا الغيبة. لقصد التوطئة للتمثيل الوارد في قوله: " أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا " لأنه لما كان ذلك التمثيل مشتملاً على جانب فاعل الاغتياب ومفعولِه مُهّد له بما يدلّ على ذاتين لأن ذلك يزيد التمثيل وضوحاً.
فالملاحظ ان كل المفسرين حملوا المعنى على المجاز ولم يحملوه على الحقيقة,لأن أكل لحم الانسان حقيقة لا يقع فكانت الاستعارة والتمثيل أبلغ في التعبير وأقصد...وهذا هو المرام من المجاز.
وانتشار التشبيه والاستعارة وأنواع المجاز المختلفة يقدم التعبير الدقيق والتصوير الواضح للمعاني الكثيرة في عبارات مختصرة قليلة الألفاظ توصل المعاني المرادة من المتكلم إلى السامع في أقل وقت وفي سياق هذه العبارات من القرائن ما يلفت نظره إلى المعنى المقصود بل يكتفي المتكلم في أحيان كثيرة بالقرائن (الحالية) المفهومة من موضوع الحديث أو حال المتكلم أو السامع. فالحقيقة تدل على معناها بنفسها وتتبادر إلى فهم السامع عند عدم وجود قرينة صارفة بمجرد سماع الألفاظ، والمجاز لا يدل على معناه إلا بوجود القرينة المانعة من إرادة المعنى الحقيقي وتتفاوت الأفهام في ملاحظة هذه القرينة والتنبه لها، لذا كان المجاز بأنواعه من معايير تذوق اللغات ورقيها