التحرير والتنوير [ جزء 1 - صفحة 4093 ]
( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين [ 6 ] ) صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام هذا نداء ثالث ابتدئ به غرض آخر وهو آداب جماعات المؤمنين بعضهم مع بعض وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عباس والحارث بن ضرارة الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت . ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتي بصدقاتهم فلما بلغهم مجيئه أو لما استبطأوا مجيئه فإنهم خرجوا لتلقيه أو خرجوا ليبلغوا صدقاتهم بأنفسهم وعليهم السلاح وأن الوليد بلغه أنهم خرجوا إليه بتلك الحالة وهي حالة غير مألوفة في تلقي المصدقين وحدثته نفسه أنهم يريدون قتله أو لما رآهم مقبلين كذلك " على اختلاف الروايات " خاف أن يكونوا أرادوا قتله إذ كانت بينه وبينهم شحناء من زمن الجاهلية فولى راجعا إلى المدينة
" هذا ما جاء في روايات أربع متفقة في صفة خروجهم إليه مع اختلافها في بيان الباعث لهم على ذلك الخروج وفي أن الوليد أعلم بخروجهم إليه أو رآهم أو استشعرت نفسه خوفا " وأن الوليد جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني المصطلق أرادوا قتلي وأنهم منعوا الزكاة فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أن يبعث إليهم خالد بن الوليد لينظر في أمرهم وفي رواية أنه بعث خالدا وأمره بأن لا يغزوهم حتى يستثبت أمرهم وأن خالدا لما بلغ ديار القوم بعث عينا له ينظر حالهم فأخبره أنهم يقيمون الأذان والصلاة فأخبرهم بما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقبض زكاتهم وقفل راجعا
وفي رواية أخرى أنهم ظنوا من رجوع الوليد أن يظن بهم منع الصدقات فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يخرج خالد إليهم متبرئين من منع الزكاة ونية الفتك بالوليد بن عقبة . وفي رواية أنهم لما وصلوا إلى المدينة وجدوا الجيش خارجا إلى غزوهم
فهذا تلخيص هذه الروايات وهي بأسانيد ليس منها شيء في الصحيح
وقد روي أن سبب نزول هذه الآية قضيتان أخريان وهذا أشهر
ولنشتغل الآن ببيان وجه المناسبة لموقع هذه الآية عقب التي قبلها فإن الانتقال منها إلى هذه يقتضي مناسبة بينهما فالقصتان متشابهتان إذ كان وفد بني تميم النازلة فيهم الآية السابقة جاؤوا معتذرين عن ردهم ساعي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقبض صدقات بني كعب بن العنبر من تميم كما تقدم وبنو المصطلق تبرؤوا من أنهم يمنعون الزكاة إلا أن هذا يناكده بعد ما بين الوقتين إلا أن يكون في تعيين سنة وفد بني تميم وهم
وإعادة الخطاب ب ( يا أيها الذين آمنوا ) وفصله بدون عاطف لتخصيص هذا الغرض بالاهتمام كما علمت في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي )
فالجملة مستأنفة استئنافا ابتدائيا للمناسبة المتقدم ذكرها
ولا تعلق لهذه الآية بتشريع في قضية بني المصطلق مع الوليد بن عقبة لأنها قضية انقضت وسويت
والفاسق : المتصف بالفسوق وهو فعل ما يحرمه الشرع من الكبائر
وفسر هنا بالكاذب قاله ابن زيد ومقاتل وسهل بن عبد الله
وأوثر في الشرط حرف ( إن ) الذي الأصل فيه أن يكون للشرط المشكوك في وقوعه للتنبيه على أن شأن فعل الشرط أن يكون نادر الوقوع لا يقدم عليه المسلمون
واعلم أن ليس الآية ما يقتضي وصف الوليد بالفاسق تصريحا ولا تلويحا
وقد اتفق المفسرون على أن الوليد ظن ذلك كما في الإصابة عن ابن عبد البر وليس في الروايات ما يقتضي أنه تعمد الكذب . قال الفخر : إن إطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقا.
قلت : ولو كان الوليد فاسقا لما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تعنيفه واستتابته فإنه روى أنه لم يزد على قوله له " التبيين من الله والعجلة من الشيطان " إذ كان تعجيل الوليد الرجوع عجلة . وقد كان خروج القوم للتعرض إلى الوليد بتلك الهيئة مثار ظنه حقا إذ لم يكن المعروف خروج القبائل لتلقي السعاة . وأنا أحسب أن عملهم كان حيلة من كبرائهم على انصراف الوليد عن الدخول في حيهم تعيرا منهم في نظر عامتهم من أن يدخل عدو لهم إلى ديارهم ويتولى قبض صدقاتهم فتعيرهم أعداؤهم بذلك يمتعض منهم دهماؤهم ولذلك ذهبوا بصدقاتهم بأنفسهم في رواية أو جاؤوا معتذرين قبل مجيء خالد بن الوليد إليهم في رواية أخرى
صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام ويؤيد هذا ما جاء في بعض روايات هذا الخبر أن الوليد . أعلم بخروج القوم إليه وسمع بذلك فلعل ذلك الإعلام موعز به إليه ليخاف فيرجع . وقد اتفق من ترجموا للوليد بن عقبة على أنه كان شجاعا جوادا وكان ذا خلق ومروءة
واعلم أن جمهور أهل السنة على اعتبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عدولا وإن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به فهو من أصحابه . وزاد بعضهم شرط أن يروي عنه أو يلازمه ومال إليه المازري . قال في أماليه في أصول الفقه " ولسنا نعني بأصحاب النبي كل من رآه أو زاره لماما إنما يريد أصحابه الذين لازموه وعززوه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وأولئك هم المفلحون شهد الله لهم بالفلاح " اه
وإنما تلقف هذه الأخبار الناقمون على عثمان إذ كان من عداد مناقمهم الباطلة أنه أولى الوليد بن عقبة إمارة الكوفة فحملوا الآية على غير وجهها وألصقوا بالوليد وصف الفاسق وحاشاه منه لتكون ولايته الإمارة باطلا . وعلى تسليم أن تكون الآية إشارة إلى فاسق معين فلماذا لا يحمل على إرادة الذي أعلم الوليد بأن القوم خرجوا له ليصدوه عن الوصول الى ديارهم قصدا لإرجاعه
وفي بعض الروايات أن خالدا وصل إلى ديار بني المصطلق . وفي بعضها أن بني المصطلق وردوا المدينة معتذرين واتفقت الروايات على أن بين بني المصطلق وبين الوليد بن عقبة شحناء من عهد الجاهلية
وفي الرواية أنهم اعتذروا للتسلح بقصد إكرام ضيفهم . وفي السيرة الحلبية أنهم قالوا : خشينا أن يبادئنا بالذي كان بيننا من شحناء . وهذه الآية أصل في الشهادة والرواية من وجوب البحث عن دخيلة من جهل حال تقواه . وقد قال عمر ابن الخطاب لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول وهي أيضا أصل عظيم في تصرفات ولاة الأمور وفي تعامل الناس بعضهم مع بعض من عدم الإصغاء إلى كل ما يروى ويخبر به
والخطاب ب ( يا أيها الذين آمنوا ) مراد به النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه ويشمل الوليد بن عقبة إذ صدق من أخبره بأن بني المصطلق يريد له سوءا ومن يأتي من حكام المؤمنين وأمرائهم لأن المقصود منه تشريع تعديل من لا يعرف بالصدق والعدالة
ومجيء حرف ( إن ) في هذا الشرط يومئ إلى أنه مما ينبغي أن لا يقع إلا نادرا
والتبيين : قوة الإبانة وهو متعد إلى مفعول بمعنى أبان أي تأملوا وأبينوا . والمفعول محذوف دل عليه قوله بنبإ أي تبينوا ما جاء به وإبانة كل شيء بحسبها
والأمر بالتبيين أصل عظيم في وجوب التثبت في القضاء وأن لا يتتبع الحاكم القيل والقال ولا ينصاع إلى الجولان في الخواطر من الظنون والأوهام
ومعنى ( فتبينوا ) تبينوا الحق أي من غير جهة ذلك الفاسق . فخبر الفاسق يكون داعيا إلى التتبع والتثبت يصلح لأن يكون مستندا للحكم بحال من الأحوال وقد قال عمر بن الخطاب " لا يؤسر أحد في الإسلام بغير العدول "
وإنما كان الفاسق معرضا خبره للريبة والاختلاق لأن الفاسق ضعيف الوازع الديني في نفسه وضعف الوازع يجرئه على الاستخفاف بالمحظور وبما يخبر به في شهادة أو خبر يترتب عليهما إضرار بالغير أو بالصالح العام ويقوي جرأته على ذلك دوما إذا لم يتب ويندم على ما صدر منه ويقلع عن مثله
والإشراك أشد في ذلك الاجتراء لقلة مراعاة الوازع في أصول الإشراك
وتنكير ( فاسق ) و ( نبإ ) في سياق الشرط يفيد العموم في الفساق بأي فسق اتصفوا وفي الأنباء كيف كانت كأنه قيل : أي فاسق جاءكم بأي نبإ فتوقفوا فيه وتطلبوا بيان الأمر وانكشافه.

قال المحقق لتفسير ابن كثير - (ج 7 / ص 372) سامي بن محمد سلامة كلاما جميلا أنقله بنصه
وقد ذهب إلى ذلك كثير من المفسرين، وهذا القول فيه نظر؛ فإن الروايات التي ساقت القصة معلولة، وأحسنها وهي رواية أحمد عن الحارث بن ضرار الخزاعي، وفي إسنادها مجهول، وقد أنكر القاضي أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم" (ص102) هذه القصة قال: "وقد اختلف فيه، فقيل: نزلت في ذلك -أي في شأن الوليد. وقيل: في علي والوليد في قصة أخرى- وقيل: إن الوليد سيق يوم الفتح في جملة الصبيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح روءسهم وبرك عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع صلى الله عليه وسلم من مسه، فمن يكون في مثل هذه السنن يرسل مصدقا، وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية، وكيف يفسق رجل هذا الكلام؟ فكيف برجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم .
وللشيخ عبد الرحمن المعلمي رحمه الله كلام على الوليد بن عقبة في الأنوار الكاشفة (ص263) أثبت فيه أنه لم يؤثر له رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن جملة ما نفاه هذا الحديث الذي ذكره ابن العربي.
الناشر : دار طيبة للنشر والتوزيع
الطبعة : الثانية 1420هـ - 1999 م.
ولي وقفة مع تحسين العلامة الألباني للحديث الذي رواه الامام أحمد والبزار وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني واللفظ له قال :
2335 - حدثنا يعقوب بن حميد نا عيسى عن جده عن أبيه علقمة رضي الله عنه قال : بعث إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة بن أبي معيط يصدق أموالنا فسار حتى إذا كان قريبا منا وذلك بعد وقعة المريسيع رجع فركبنا في أثره وسقنا طائفة من صدقاتنا ونفقات يحملونها فقدم قبلهم فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتيت قوما في جاهليتهم جدوا القتال ومنعوا الصدقة فلم يغير ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ الآية قال وأتى المصطلقيون النبي صلى الله عليه وسلم على أثر الوليد بطائفة من فرائضهم يسوقونها ونفقات يحملونها فذكروا ذلك له وأنهم خرجوا يطلبون الوليد بصدقاتهم فلم يجدوه قال فرفعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان معهم وقالوا يا رسول الله بلغنا مخرج رسولك فسررنا بذلك وقلنا نتلقاه فبلغنا رجعته فخفنا أن يكون ذلك سخطة علينا وعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يشتروا منه ما بقي فقبل منهم الفرائض وقال ارجعوا بنفقاتكم فإنا لا نبيع شيئا من الصدقات حتى نقبضه فرجعوا إلى أهاليهم وبعث إليهم من قبض بقية صدقاتهم .
(الآحاد والمثاني [ جزء 4 - صفحة 309 ]