من كتاب "الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد"- د.أحمد خيري العمري دار الفكر
..سأقف عند مشهد واحد، ربما ليس فيه الكثير من الحركة، ربما ليس فيه الكثير من الأحداث.. لكن فيه الكثير من العمق وحافل بالإيحاءات والدلالات..
مشهد واحد، يتكرر مرتين، مرّة مع إبراهيم، ومرة مع محمد..
تتغير أدوات المشهد، تتغير عناصره، لكن شيئاً أساسياً في قلب المشهد ينبض نفس النبض..
يدق نفس الدقة..
ويجعل المشهدين يتكاملان مع بعضهما البعض..
* * *
المشهد الأول، إبراهيم، وتلك الليلة التي خرج منها بإتجاه الفجر- الذي أشرق فيها العقل في داخله..
تلك الليلة.. التي أفلت فيها كل المعبودات، ولم يبق سوى الذي أوجدها- خارجاً عن كل تجسيم، مجرداً عن كل تشكيل ،منزهاً عن أي إطار يحدده في زمان أو مكان..
تلك الليلة، تقلب فيها وجه إبراهيم، تقلب فيها عقله، يبحث عن ذلك الشيء الذي لا مفر من البحث عنه..
وعندما بزغ العقل في داخله- عبر، ومعه الإنسانية كلها، نحو الوجه الآخر من القمر- ذلك الوجه الذي لا يمكن لحوت الخرافة والجهل أن يبتلعه.. تلك الليلة، وذلك المشهد، ووجه إبراهيم يتقلب بين الآفلين، الى أن يصل الى الضفة حيث لا مكان للآفلين. تلك الضفة التي وجّه إليها- أخيراً- وجهته..
(إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً.. وما أنا من المشركين..) الأنعام 79.
*
المشهد الأول، لكنه يعاد مرة أخرى.. في عصر آخر..
هذه المرة معه ،محمد، عليه افضل صلاة..
ليس المهم أن تكون ليلة تقلب فيها وجهه.. ولا نهار إحتار فيه فكره.. لكن المهم أن وجهه تقلب..
نبض قلبه بحثاً عن جهة يتوجه إليها..، تحرك عقله من أجل مكان يحتوي أفكاره..
هل كانت المسألة مسألة جهةفحسب ؟ .. أم كانت الجهة رمزاً لما هو أكثر من ذلك ؟..
لا ندري إلا إنه كان يبحث. لا ندري إلا إنه كان يدور بوجهه، بحثاً عن جهة يتوجه إليها..
وإن كان ذلك يؤرقه..
ولعلها كانت ليلة أيضاً- تركت بصمتها أيضاً على مجرى التاريخ..
.. (قد نرى تقلب وجهك في السماء..) البقرة 144.

بين الليلتين، بين التقلبين، بين الوجهين الباحثين، أكثر من ربط، أكثر من مجرد خيط، بينهما تكامل، وتوائم..
الليلة الأولى، تقلب فيها إبراهيم من أجل أن يجد – بنفسه، قبل أن يأتيه الوحي- ذلك الذي فطر، والذي خلق.. والذي ترك الأدلة على وجوده في كل مكان..

تلك الليلة تقلب فيها إبراهيم من أجل أن يجد من هو أهل لأن يعبد.. من أجل أن يجد من يستحق أنه تتوجه له.. الوجوه والأنظار.. والأيدي..و العقول..
كانت الحاجة للعبادة واضحة عند كل الناس وكل المجتمعات، المشكلة كانت في أنها تتوجه الى المكان الخطأ..
تلك الليلة قرر العقل الإنساني أن يحسم الأمر.. ويبحث عمّن خلقه.. لا يتوجه إلا له..

**
وفي الليلة الأخرى،تقلب وجهه عليه الصلاة و السلام بين الجهات، لم يكن يبحث عمن خلقه- فالأمر حسم منذ فترة طويلة، لكنه كان يبحث، بين الجهات، بين الخيارات، في مفترق الطرق ذاك الذي كان فيه، عن جهة تحقق له القرار الذي تحقق بعد الليلة الأولى.. الجهة التي كان يبحث عنها محمد، ويقلب وجهه بحثاً عنها، كانت الجهة التي ستحقق ما وجده إبراهيم- ستنزلها على أرض الواقع، تحولها من فكرة هائمة في خيال العباد والزهاد- الى مجتمع حقيقي، يحتويها وتحتويه، يسندها وتسنده..
في مفترق الطرق ذاك، وقف محمد يقلب وجهه بين الجهات، كل جهة تمثل تجربة حضارية مختلفة ومتميزة، كل جهة تمثل فشلاً ما، أو نجاحاً ما، إخفاقاً ما، أو إنتصاراً ما..
كل جهة من كل تلك الجهات التي تقلب فيها وجه محمد، كانت تلك خصائصها الحضارية الثابتة- المميزة لها- الناتجة عنها، سلباً أو إيجاباً..
كانت تلك الجهات، تملك تجربتها التي أختلط فيها الصواب والخطأ، التوحيد بالوثنية، والمبادئ بالمصلحة..
كل تلك التجارب كانت تمثل تجارب حضارية راسخة، قد تكون تحمل معها بذرة إنهيارها وسقوطها، لكنها كانت موجودة على أرض الواقع.. نموذجاً جاهزاً للتطبيق والإستعادة..
وفي تلك المرحلة الحاسمة، في مفترق الطرق ذاك، كان يمكن لتلك النماذج أن كون جهة تأثير على التجربة الوليدة، خاصة وأن بعضها امتلكت –في موروثها- تجربة دينية سماوية يمكن أن تقارن بالدين الإسلامي..
وهناك، كانت الحيرة، وهناك كان مفترق الطرق..
وهناك تقلب وجهه، بحثاً عن جهة..
* * *
(فلنولينّك قبلة ترضاها..).البقرة 144
* * *


لكن، صحيح، ما هي القبلة ؟..
لقد تعودنا على الأمر الى درجة البلادة، والى درجة إستنكار أي سؤال يحاول أن يعيد تعريف الأمر ويعيد إستكشافه.
لكن صحيح، ما هي القبلة ؟.
على المعنى تراكمت خيوط العنكبوت. وعلى رؤوسنا تراكمت خيوط التقليد، لو أننا حككنا رؤوسنا قليلاً، لربما خرج مارد آخر من قمقم المعاني الكامنة.. ولربما صار، للقبلة، معنى آخر- يجدد معنى اتجاهنا إليها.
* * *
علمونا أن نضبط اتجاهنا منذ زمن بعيد، منذ تعلمنا الصلاة..
ربما قالوا لنا أن الصلاة لا تصح بلا ضبط الاتجاه، وقالوا شيئاً آخر عن التوحد بين المسلمين واتجاههم جميعاً نحو نفس الجهة كلما توجهوا للصلاة..
..مع الوقت، تعودنا الأمر، وتعودنا الإتجاه، وإذا حدث وصلينا في مكان مختلف- كأن نكون ضيوفاً عند أقارب أو أصدقاء، فإننا سرعان ما نسألهم، بينما نحن نفرش السجادة على الأرض، أين اتجاه القبلة ؟.. – ولعل الأمر يزيد صعوبة إذا نزلنا مسافرين غرباء في فندق ليس فيه مصلي واحد في مدينة أجنبية، وقتها سيصير علينا الإستعانة بالجهات الأربع، وربما بالبوصلة- والتي إنتبه مصنعو السجاد في تايوان الى أهميتها التسويقية في هذا المجال فوضعوها – ملحقةً ببعض أنواع السجاد..
* * *
ولأن الأمر بهذه الحساسية والأهمية، فقد قاس علماؤنا وفقهاؤنا من المعاصرين، على جواز الإتجاه لأي جهة أثناء الصلاة على الدابة- فقد خرجوا فتوى تجوز الصلاة لأي جهة أثناء الصلاة في الطائرة..
وأظن أني قرأت فتوى (إفتراضية)- تقول بجواز الإتجاه الى –الكرة الأرضية- بمجملها. إذا أديت الصلاة على ظهر القمر..
وهو أمر منطقي كما هو واضح، لكنه غير واقعي مطلقاً، فالذين وطئوا القمر بأقدامهم لم يكونوا من المسلمين.. وليس من الوارد قريباً حدوث شيء كهذا، إلا إذا أراد غزاتنا الأكارم التخلص منا بنفينا الى القمر في مجاهله وصحاريه.. وهو أمر غير وارد أيضاً، لأن التخلص منّا- بالطريقة التي يحرصون عليها حالياً- أكثر جدوى إقتصادياً من أعباء نفينا الى القمر.
* * *
.. ولا أظن مصلياً من رواد المساجد لا يحتفظ في ذاكرته بسجل من المناقشات والجدل بخصوص القبلة- كلما زاد عدد المصلين وتجاوز الباحة الرئيسية الى ممرات المسجد والحديقة الخارجية..
ولا أظن مصلياً من رواد المساجد ينسى أن الأمر يتراوح بين (تعديل) وضعية المصلي أثناء صلاته.. الى مطالبته بإعادتها- وفق الإتجاه الصحيح للقبلة- فور إنتهائه من الصلاة..
القبلة أمر مهم إذن. والحياد عنها قد يستوجب إعادة الصلاة..
وهو أمر خطير..
* * *
.. لكن لماذا ؟.
* * *
صحيح، "القبلة" مهمة جداً. وخطيرة جداً. لكن لماذا ؟.
ما الأمر فيها بالضبط..
* * *
لا أقول ذلك كله من أجل التشكيك بركن من أركان الصلاة والعياذ بالله..
لكني أشير الى أن التأكيد على أهمية القبلة- قد لا ينسجم- للوهلة الأولى- مع كل ما يؤكده الإسلام من نبذ الشكليات والمظاهر في كل أنواع العبادات..
نعم، يحدث ذلك للوهلة الأولى.. فالإسلام قام، ومنذ البداية، بتفجير وإلغاء كل أنواع الوساطة بين الله والبشر، بل إنه تفرد في ذلك بالذات من بين كل الأديان السماوية، فألغى دور الكهانة التقليدية •التي إحتكرت طويلاً العلاقة بين الخالق والمخلوق، والتي شكلت في بعض المجتمعات- إن لم يكن أكثرها-، طبقة متنفذة تملك ما تملك من المال والسلطة.. وتتحكم نتيجة لذلك، بأمور ومقدرات الناس..
بل إنه نتيجة لإلغاء دور الكهانة، قام بإلغاء الدور التقليدي لدور العبادة وتحويلها من مكان منعزل على نفسه وعلى رواده- الى مكان منفتح على السماء وعلى العلاقة بها وعلى الآخرين وعلى بعضهم البعض..
بل أنه ألغى كل المظاهر الوثنية التي أثقلت فكرة "الله" في أذهان المؤمنين به حتى في الأديان السماوية، ألغى التجسيم الذي حول الله الى مجرد مارد عملاق له بعض القوى الخارقة. ألغى التشبيه الذي جعل من صفات الله حبيسة داخل تصورات مادية ضيقة محصورة داخل الصفة الإنسانية المقابلة لصفاته ..
.. وألغى الإسلام كل تلك القوالب والأطر والأقانيم التي وضعوا فكرته- تعالى وسما- وأطلقها – بدلاً عن ذلك- داخل لا حدود المطلق، داخل اللامتناهي الذي شكلته الأسماء الحسنى والصفات العلى.
.. وألغى أيضاً فكرة الأولياء والقديسين وأشباههم وأنصافهم الذي كانوا يحتكرون جزءاً من المساحة الخاصة بين الإنسان والله..
لقد ألغى الإسلام كافة الشكليات والمظاهر التي كانت تثقل العلاقة بين الفرد وربه.. الأرض كلها جعلت له مسجداً وطهوراً، يستطيع أن يصلي في أي وقت، وأي مكان.. لا يحتاج الى أن يكون في دار عبادة، تحت إمرة كاهن أو رجل دين.. فقط أن يفترش الأرض ويتطهر ويفتح قلبه و عقله لذاك الذي يعلم ما في القلوب و العقول..
شي واحد فقط، حرص الإسلام على شكليته- أو على الأقل هذا ما يبدو- إنه القبلة.. الحرص على شكل الإتجاه إليها..
* * *
أم أن الأمر ليس كذلك ؟.. و"القبلة" ليست مظهراً شكلياً في العلاقة بين الإنسان والله ؟..
* * *
القبلة لغة هي"الجهة". هذا ما تقوله المعاجم..
لكننا لو تأملنا في اللفظ، لوجدنا أنها ليست أي جهة.
إنها جهة "يقبل" عليها الناس- "جهة" يقبل بها الناس.. بين القبول والإقبال ستكون "القبلة" مكاناً ينجذب الناس إليه، يذهبون إليه، يرجعون إليه..
(يرجعون إليه ؟. حتى لو لم يكونوا فيه قط..).
يتخذونه مرجعاً ؟..
بعض جوانب بالصورة- من الشكل الذي لا يمكن أن يكون شكلاً فحسب- بدأت بالتوضح.
**
بعد القبول، هنالك ما هو أكثر..
هنالك الرضا..
(فلنولينك قبلة ترضاها..)
.. وبين القبول والرضى .. هناك مسافة علينا أن نقطعها- نجتازها.. بين الفهم التقليدي.. والفهم المبدع..، بعدها ستتوهج "القبلة"- وسنجد أنفسنا منجذبين إليها كما تنجذب الطائرات والأجسام المعدنية نحو مثلث برمودا.. كما ينجذب الفراش نحو النار المتوهجة- لكن مع فارق أن ذلك الإنجذاب لن يميتنا.. لن يحرقنا. بل سيدخلنا في خضم تجربة حياتية مختلفة.. سيحيينا من جديد.. وقد كنا نجهل قبلها كم كنّا أمواتاً..
نعم، بعد القبول.. هنالك الرضا..
* * *
بالمناسبة:عندما تخطئ القبلة في الصلاة..فأن لديك الفرصة لتصحيح الأمر..و إعادة الصلاة..لكن عندما تخطئ القبلة في الحياة..فأن الامر يكون اكثر تعقيدا..

*



أن تتجه دوماً الى مكان واحد، أينما كنت، سواء كان إتجاهك 7 غرباً أو 29 شرقاً، فإنه يعني، أنك بالضرورة، عليك أن تحدد موقعك الذي أنت فيه الآن..
أن تتجه دوماً الى مكان واحد، يعني أنك يجب أن تحدد مكانك الذي أنت فيه- وفي عالم شديد التغير، سريع التحول، فإن تحديد مكانك يعني تحديد مكانتك..
يعني أنك ستكون دوماً شديد الوعي بمكانك.. هل هو على السفح المعرض للإنهيار.. أم هل هو على تلك القمة التي تأتي الهاوية بعدها بخطوة واحدة..
.. هل أنت في القعر السحيق ؟.. أم في بطن الحوت ؟.. أم أنك في لا مكان- لأنك أقل أهمية من أن تأخذ حيزاً في هذا العالم- ..
أن تتجه دوماً الى مكان واحد، يعني أن تكون على وعي بمكانك أنت..
بمكانتك..
* * *
.. وأن تعرف (أين) تريد، يعني أيضاً أنك يجب أن تعرف (ماذا) تريد..
أن تعرف أنك تريد هذه الجهة بالذات، هذه القبلة بالذات لتتوجه إليها في حياتك، يعني أنك يجب أن تعرف بالضبط ماذا تريد من حياتك..
هذا التشديد على "الجهة"، ليس من أجل خطوط الطول والعرض، ليس من أجل الإتجاه الجغرافي..- ولكن من أجل أن نشدد على أن يكون لدينا هدف، لدينا مقصد، لدينا جهة نعرف أننا نريد أن نذهب إليها..
.. الأمر عميق فينا، وكلما أزداد عمق جذور "القبلة" فينا، كلما زاد هذا الإحساس وتجذر.. وصار أصيلاً فينا..
إن لدينا هدفاً، لدينا مكاناً نعرف أننا نقصده..
* * *
.. وعندما تعرف أين أنت، وتعرف أين تريد.. فالأمر دوماً يصير أسهل، ودوماً يصير الطرق أقصر.. وأقل وعورة..

* * *
.. وعندما يرتبط المكان الذي تريد- الجهة التي تتجه إليها- ذلك المكان الذي تقبل عليه وتنجذب إليه، وقد يبطل صلاتك- أو حياتك ؟– أن تحيد عنه.. عندما يرتبط هذا المكان بموقع جغرافي محدد.. فأنت تعلم أنه يخزن في أعماقه الكثير من المعاني والإيحاءات التي ستغني حياتك وتزيدها ثراءاً وخصوباً وإثماراً..
.. نعم، هذا الموقع المحدد، قد يمتك لك الكثير من الأسرار.. الكثير من المفاجئات..
قد يبدو ذلك منبسطاً للوهلة الأولى، لكنه سيمنحك قمماً لم تتخيل قط أنك ستبلغها..
..وقد يبدو لك حاراً جافاً عندما تزوره للمرة الأولى، لكنه سيغمرك بنسيم ينعشك ويكاد يعيدك الى الحياة، وسيزهر الربيع في قلبك كمفاجئة غير متوقعة- وقد كنت تتخيل دوماً أنه قد دخل صقيعه الدهري وموسم جفافه اللانهائية..
لكن ها هو يتبرعم، وها هو يزهر.. وها هو يثمر وقد كنت تتخيله عقيماً منذ قرون..
.. قد يبدو لك أجرداً- في وادٍ غير ذي زرع !- ولن تصدق كيف سينشر البساتين والجنان في أعماقك وسهولك ووديانك.. لن تصدق كم سيكون خصباً.. هذا الوادي الذي بلا زرع.
ربما ستمسك بحفنة من الرماد في قبضة يدك وتتأملها ثم تقول أنها لن تصلح لشيء. ربما سيقول خبير التربة ذلك أيضاً…
لكنك لن تدري أنها يمكن أن تكون سماداً لكل حياتك..
* * *
لماذا مكة ؟.
لماذا مكة بالتحديد ؟.. لماذا ذلك البيت العتيق تحديداً ؟.. ما الذي فيه بالضبط ؟.. يجعلنا (نرجع) إليه.. حتى لو لم نكن قد ذهبنا إليه أصلاً.. وما الذي فيه يجعل قلوبنا تهوي إليه.. وتهوي.. وتهوي.. ما الذي فيه يجعل صلاتنا معرضة للبطلان، إن لم نتوجه فيها إليه..
لماذا مكة ؟.
* * *
ندور دورة واسعة- ثم نعود دوماً الى نفس النقطة، حيث تتلاقى البدايات والنهايات.. وتختلط علامة البدء بإشارة نهاية السباق..
مكة تذكرنا ببداية السباق، ببداية تلك الحكاية كلها، عندما طردنا من الجنة وهبطنا الأرض بعضنا لبعض عدو..
مكة تذكرنا برحلة التيه الطويلة التي تخبطنا فيها، وبذلك التجوال المر والترحال الذليل بحثاً في المكان الخطأ عن فردوس مفقود.. وتذكرنا مكة، برحلة أخرى، قام بها إبراهيم، وبدت كما لو أنها تتجه الإتجاه الخطأ- بعيداً عن مراكز الحضارة التقليدية، نحو عمق الصحراء الجرداء.. حيث لا زرع.. ولا ضرع..
تذكرنا مكة ببيت عتيق يشبه بيت طفولتنا الأول، ذكراه مشوشة وغائمة في خيالنا، لكنه كان رحباً جداً إذ إتسع لأحلامنا ورؤانا وضحكاتنا وصخبنا..
تذكرنا مكة، بحجر أساس، وضع في عمق أحشائنا، لا يزال الماء رطباً حوله.. ولا نزال نستطيع أن نتحسسه هناك بأيدينا.. لا يزال صامداً هناك – في كل فرد فينا… ننتظر أن نشمر سواعدنا، ونستكمل البناء المنتظر..
تذكرنا مكة، بحجر أسود هو حجر الأساس، ويذكرنا الإتجاه إليها، إن بناءنا يكون أقوى وأمتن لو إستند على هذا الحجر.. تذكرنا مكة – بقواعد راسخة وعميقة، رفعها إبراهيم ومعه إسماعيل.. ويذكرنا الإتجاه إليها الى أن القواعد تحتاج الى المزيد من الرفع.. وأن عملية البناء يجب أن تتواصل بإستمرار..
ندور دورة واسعة ونعود الى نقطة البداية، نستمد منها الأبجديات الأولى بعدما ضعنا طويلاً في الألفاظ والمصطلحات.. وبعدما تهنا طويلاً، وتخبطنا على غير هدى، ولم نعد نعرف إين أصبحنا بالضبط، نعود الى نقطة البداية- منه ننطلق من جديد، نستعيد هويتنا التي ضيعناها وحصلنا على عشر هويات مزورة بدلاً عنها. نستعيد ثوابتنا التي ميعناها وصهرناها وذوبناها وخلطناها مع ثوابت الغير وقيمهم وأسباب سقوطهم..- ويكون الناتج هذا الهجين غير المتجانس الذي يشدنا الى الوراء..
مكة، هي الرجوع الى ما لا مفر من الرجوع إليه.. والاتجاه إليه هو الإتجاه نحو كل تلك المعاني وكل تلك الدلالات..
لا مكة في مكة. أعني أن خطوط الطول والعرض وخرائط الجغرافية ليست مهمة هنا.
المهم هو ذلك الإرث الإنساني الذي اختزنته مكة. والمهم هو تلك التجربة العميقة الجذور التي بذرت أول بذورها فيها..
ليس المهم في الأمر هو الإتجاه الجسدي فحسب.
لكن المهم أن يصاحب ذلك الإتجاه الجسدي، توجه عقلي نحو ذلك الإرث ونحو تلك التجربة..
المهم هو الوعي بمعنى "القبلة".. بل بكل المعاني الخصبة المختزنة في داخلها..
المهم هو أن يكون ولاؤنا – حقاً- لتلك القبلة..
ربما يكون ذلك معنى "فلنولينك قبلة ترضاها".


*
التقلب بحثاً عن حقيقة ليس أمراً نادراً في حياة البشر.. وتقلب إبراهيم بين "الآفلين"- يشبه قصة تنقل الكثير من المفكرين والفلاسفة والدعاة بين مختلف الأيدلوجيات بل ومتضاداتها.. الى حين الوصول الى قناعة أو يقين نهائيين..
ولا يحدث ذلك لكبار المفكرين فحسب، لكنه يحدث أيضاً للبشر العاديين، أولئك الذين يتأرجحون تأرجحاً مراهقاً بين شك وإيمان.. وقد يثمر تأرجحهم هذا يقيناً يملئ عليهم حياتهم كلها فيما بعد..
المهم أن تقلب إبراهيم في تلك الليلة، له ما يماثله في حياة البشر العاديين..، وبالتالي فإن تقلبه يمس وتراً ما في أعماقهم. هل يعتقد أحد أن ذلك حكرٌ على تقلب إبراهيم ؟..
.. وإن "تقلب وجهه" عليه الصلاة والسلام لا يتكرر كل يوم.. بل كل لحظة في حياتنا المعاصرة ؟
أبداً، تقلب وجهه عليه أفضل الصلاة والسلام، ليس مسألة حسمت وإنتهى أمرها- على الأقل بالنسبة لنا..
الأمر لم ينته. لقد حسمت مرحلة منه فحسب، حسمها الجيل الأول مرحلياً.
لكن التقلب لا يزال مستمراً.. وجوهنا لا تزال تتقلب قبل المشرق، وقبل المغرب..
حتى لا أقول قبل المشارق وقبل المغارب..
… وإمكانية الحسم لا تزال قائمة..
* * *
من كتاب " الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد"- أحمد خيري العمري- دار الفكر دمشق