الكتاب : منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير
المؤلف : الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي
الدار الطابعة : مؤسسة الرسالة
عدد الأجزاء :1
جاء في مقدمة المؤلف ما يلي :
رأيت أن أتناول في دراستي هذه إحدى تلك المدارس في تفسير القرآن الكريم فاخترت .
"" منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير "" أهم وأخطر المناهج المذكورة لكونها:
1- تعطي العقل مرتبة تضاهي مرتبة الوحي إن لم يتجاوزه وفي هذا خطر عظيم آثرت أن أبدأ بكشفه.
2- ولكون رجال هذه المدرسة ممن لا تحوم حولهم الشبهات عند بعض الناس وعند بعض العلماء أيضا ولا يقبلون فيهم نقداً أو عتاباً فأحببت أن أكشف حقيقتهم ما استطعت .
3- أن منهجهم في التفسير جديد لم يشاركهم أحد في جميع قواعده وأسسه.
4- أن الموضوع بكر لم أر من كتب فيه بتفصيل.
لا اريد أن أدرس هنا ((المنهج العقلي الحديث في تفسير القرآن الكريم)) ,إنما أردت أن أدرس (( منهج المدرسة العقلية الحديثة في تفسير القرآن الكريم ))
وفرق بين الدراستين أن الأولى تحتاج إلى الإطلاع على جميع المدارس العقلية لتفسير القرآن الكريم في أرجاء العالم الإسلامي وبمختلف اللغات ,بمختلف مناهجها ومختلف أصولها ومختلف أهدافها وغاياتها ومختلف ظروفها التي ألجأتها إلي سلوك هذا المنهج.
أما الدراسة الثانية فأخص من الأولى ذلك إنما يقصد بها : تلكم الطائفة التي عاشت في مصر تربط بينها وحدة المنهج في التفسير بجميع قواعده وأسسه ووحدة الهدف والغاية ووحدة اللغة , ووحدة البيئة , ووحدة الظروف التي مرت بها وألجأتها إلي سلوك المنهج العقلي ومن ثم سلوك سبيل واحد في القضايا القرآنية يتوآم مع هدفها الذي تسعى إليه تحت تلك الظروف.
تبدأ تلك المدرسة بالسيد جمال الدين الأفغاني الذي بث أفكاره إلى تلميذه محمد عبده الذي استلم زمامها من بعده ووسع بحوثها ومن ثم استلمها تلاميذه فنشورها بين الناس حتى سادت في الأذهان ورسخت بين العلماء.
مهدت لتلك الدراسة عنهم بالحديث عن نشأة التفسير وتطوره ومن ثم نشأة المنهج العقلي القديم في تفسير القرآن الكريم – وحتى يتوهم متوهم أن الإسلام ينقص العقل حقه كتبت ما يجلو ذلك وينفيه وبينت مكانة العقل في الإسلام ودرجته الرفيعة التي أنزلها إياها, ثم عدت إلي بيان المنهج العقلي القديم ببيان منهج المدرسة العقلية القديمة(المعتزلة) بشيء من التفصيل حتى ندرك بعد هذا الصلة بين المدرستين العقليتين القديمة والحديثة, ووجوه الشبه بينهما ووجوه الاختلاف إن كان ثم إختلاف.
وفي الباب الأول كان لابد من الحديث عن رجال المدرسة العقلية وجلاء حقيقتهم أولئك النفر الذين أسسوها وقاموا على رعايتها ورعاية أتباعها , إذ مما لا شك فيه أن معرفة حقيقة المؤسسين ذو أثر كبير في معرفة حقيقة المدرسة نفسها فبينهما ارتباط قوي لا ينفصم ففي إثبات انحرافهم إدانة قوية لانحراف منهجهم , وليس العكس بالعكس هنا فإثبات صلاحهم وتقواهم لا يلزم منه صلاح منهجهم, فقد يصيب المصلح وقد يخطي , ولكنه يلزم سلامتهم وتبرئة ساحتهم من وصف الانحراف . وقد سعيت ما استطعت إلى تدوين ما عرفته من حياتهم حتى يتسنى للقارىء الحكم على منهجهم بعد هذا .
وفي الباب الثاني تحدثت عن منهج المدرسة العقلية الحديثة الذي سلكته في تفسير القرآن وبنيت ذلك على أحد عشر أساسا بينتها بالتفصيل واحداً بعد الآخر ولا أرى ما يوجب سردها هنا.
وفي الباب الثالث تحدثت عن بعض أراء المدرسة العقلية الحديثة في بعض علوم القرآن لما لهذه العلوم القرآنية من صلة بالتفسير قوية يلزم بيانها وقسمت الحديث هنا إلى فصول ثلاثة :
تحدثت في الفصل الأول عن ترجمة القرآن الكريم ,وفي الفصل الثاني عن القصة في القرآن الكريم وفي الفصل الثالث عن إعجاز القرآن الكريم.
أما الباب الرابع فجعلته خاصا بالحديث عن أراء المدرسة العقلية الحديثة في بعض قضايا القرآن نفسه وقسمت الحديث هنا إلى سبع فصول :
الفصل الأول : تحدثت فيه قضية الوحي , والفصل الثاني عن البعث وأمارات الساعة, والفصل الثالث : عن القضاء والقدر ,وفي الرابع عن المعجزات, وفي الخامس عن أصل الإنسان وفي السادس : عن الملائكة, وفي السابع عن الجن.
والباب الخامس جعلته للحديث عن نماذج من تأويلهم لآيات من القرآن الكريم على ضوء الأسس السابقة في منهجهم فخالفوا فيها السلف وجاؤوا فيها بأراء إن لم تكن شاذة فهي باطلة خاطئة.
وفي الباب السادس تحدثت عن أثر هذه المدرسة في الفكر الإسلامي الحديث وموقف علماء المسلمين منها المعاصرين لها ومن بعدهم وكذا موقف الاحتلال الذي يسيطر على البلاد المصرية في عصرها وموقف المستشرقين جنود الاحتلال. ولنصل بعد هذا كله إلي النتيجة التي توصلت إليها بعد هذا البحث , ومن ثم إعلان الموقف الذي يجب أن نسلكه على ضوء هذه النتيجة.

النتيجة
ونخلص من دراستنا هذه أن لمذهب المدرسة العقلية الحديثة أبعاداً ثلاثة نراها قوية شامخة في التكوين الأساسي للمدرسة العقلية نذكر هذه الأبعاد الثلاثة إجمالا ثم نستخلص بعد هذا النتيجة التي نراها والموقف الذي يجب أن نقفه نحن المسلمون على ضوء هذه النتيجة.
الأبعاد الثلاثة :-
أولا: أن هذه المدرسة أعطت العقل أكثر من حقه وكلفته ما لا يطيق ورفعت من قيمته وضخمت حجمه حتى ساوته بالوحي بل قدمته عليه وقدمت ما زعمته من أحكامه على أحكام الوحي .
ثانيا: قامت هذه المدرسة بتأويل حقائق العقائد الإسلامية بما يتمشى مع الأحكام العقلية من جهة ومكتشفات الحضارة الغربية والنظريات العلمية الغربية من جهة أخرى.
وفي سبيل ذلك أيضا قامت بتأويل المعجزات والخوارق وإنكار بعضها إذا لم يمكن قلب حقيقته بما يتمشى مع هذا البعد الفكري .
ثالثا: تبرير تناول الحضارة الغربية ومجاراتها في مدينتها الزائفة والتحوير من الداخل لإعطاء السند الفكري والدعم الديني لمعطيات الحضارة الغربية وتقريب الهوة التي تفصل بين الغرب وبين المسلمين تقريبا كان على حساب كثير من الجوانب الإسلامية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية.
تلكم هي الخطوط العريضة والأبعاد الراسخة التي نراها في منهج المدرسة العقلية.

ونتيجة لذلك فإنا نعتقد:-
أولا: أن المدرسة العقلية الحديثة ذات منهج منحرف وهي بسلوكها إياه تعد فرقة منحرفة جديدة أقرب ما تكون إلى فرقة المعتزلة فهم كالمعتزلة:
أ) في تحكيم العقل والرجوع إلي أحكامه ورفعه مرتبة الوحي وهم لو حكموا العقل نفسه لسلمنا لهم لأن أحكامه بنفسه لا تخالف حكما ثابتا في الشريعة الإسلامية أو قضية من قضاياه وهم إنما يحكمون العادة فيحسبون ما خالف العادة مخالفاً للعقل.
ب) وهم كالمعتزلة في إنكار المعجزات أو تأويلها .
ج) وهم كالمعتزلة في إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة حتى مارواه البخاري ومسلم.
هـ) وهم كالمعتزلة في عدم تعديل الصحابة كلهم بل تجاوز بعضهم ذلك كبعض المعتزلة إلي سب الصحابة رضوان الله عليهم.
و) وإنهم كالمعتزلة في اعتقاد خلود أهل الكبائر في النار.
ومن هنا ندرك وضوح الصلة ووجه الشبه بينهم وبين المعتزلة.
ثانيا : إنهم يزيدون على المعتزلة بالدعوة للتقريب بين المسلمين والكفار (النصارى واليهود) وتبرير تناول الحضارة الغربية ومجارتها في مدينتها الزائفة بل أنهم أخطر من المعتزلة ذلك أنهم يسعون بكل ما وسعهم لتغير المفهوم
الإسلامي في معاملة الكفار وإلغاء الفاصل والحاجز بين الفكر والحق والفكر الضال أو المنحرف وإذا ما ألغي جانب العقيدة في ميزان التفاضل فإن الكفة سترجح حتما بنا وسيصبح الكفار آنذاك هم الأفضل والأقوى ومن ثم تكون لهم السيطرة وتكون لهم الدولة وحينئذ تكون خسارتنا للدين والدنيا وهو ما يسعى إليه الاستعمار وسهر من أجله الليالي ودفع جيوشه المادية والمعنوية وبث رجاله المستشرقين والمخدوعين –لأجله.
ثالثا: إن الكثير من مفاهيمهم ومبادئهم هي السائدة في الفكر الإسلامي المعاصر وماذاك إلا أثر من أثار فرض الاستعمار بادي ذي بدء آراءهم على الناس وترويجه لهم وتمجيد المستشرقين لهم حتى إذا ما سار ذلك بين الناس أخذوا يتبنونه بأنفسهم ويعلنونه في مؤلفاتهم ويدافعون عنه حتى أصبح أو كاد من المسلمات.وأصبح رجال المدرسة العقلية عندهم من الرجال الذين لا يقبل فيهم نقد أو يصل إليهم قدح .
رابعاً: إنهم مهدوا السبيل لسيطرة الفكر الغربي واتخذهم الأعداء مطية يعملون من خلالها على زلزلة عقيدة المسلمين وتشكيكهم بها ومحاربة الإسلام في عقر داره ليس عن طريق نشر المؤلفات فحسب بل عن طريق الصحافة وطريق
السينما والتليفزيون والإذاعة وكل وسائل الإعلام الأخرى , ثم عمل الإستعمار على إطفاء ما بقي من نار الغيرة على الشعائر الإسلامية بل على الدين كله في قلوب الشباب فأصبحوا لا يحرك ساكنا فيهم ما يحد للمسلمين في الفلبين أو في الهند أو في أفغانستان أو في فلسطين أو في غيرها من مختلف البلدان ,لا يحرك هذا ساكنا عند سماعه فضلا عن أن يهبوا زرافات ووحداناً.
خامساً : لم تكن النتيجة ذلك ذات أثر على الأفراد فحسب بل على كثير من الدول التي نبذت الفقه والفقهاء الإسلاميين واستبدلت القوانين الوضعية بالفقهالإسلامي وتركت تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد أو غيرهم من
من الفقهاء واستمدت جل دستورها من القوانين الأوربية الحديثة.
وبعد.
فما الموقف منهم الذي يجب إعلانه هنا؟ لااريد أن أستطرد في الحديث هنا بل ألخص الموقف بأسطر أحسب فيها الكفاية.
لا شك أن الواجب يقتضي أن نعيد النظر في رجال هذه المدرسة العقلية أنفسهم ونعيد تقييمهم وفق الميزان الإسلامي الحق ونعلن للناس كافة حقيقتهم ونجلوا لهم علانية زيف منهجهم ونبين مواقع ضلاله ومواقع انحرافه.
• نعيد تقييمهم تقييما حقاً لا يراعي بحال من الأحوال ما هو سائد بين الناس عنهم.
- وحين نصل إلى نتيجة ذلك نعلن بها العلماء قبل العامة لينشروه بين الناس كافة.
وحينئذ نعيد ترتيب الأمور على الميزان الحق أحسب هذا الأمر يقال في لحظة ويكتب في لحظتين ولكن تنفيذه يريد عزمة إسلامية خالصة تطوي الزمن طياً فيحصل ما يحتاج إلى قرون عديدة في سنوات قليلة ويكون صلاح هذا الدين في هذا العصر كصلاحه في أوله.
تم ما كتبه الدكتور فهد في كتابه , وليته يتكرم مشكوراً بإضافة ما يراه جديداً في منهج هذه المدرسة خاصة والكتاب قد كتب منذ مدة طويلة .

سلسلة التعريف بالكتب المهتمة بموضوع الانتصار(1)