مكانة أهل الحديث ومآثرهم وآثارهم الحميدة في الدّين للدكتور ربيع هادي المدخلي أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله- - وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعـد- فإن الله بعث محمداً- - بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرين. وإن أسعد الناس بهديه واتباعه وحبه ومولاته ونصرة ما جاء به من الحق هم صحابته الكرام ومن اتبعهم بإحسان من القرون المفضلة. ومن سلك سبيلهم وترسم خطاهم إلى يوم الدين. ثم إن من يدرس أحوال السابقين واللاحقين من الفرق المنتسبة إلى أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- ويدرس مناهجهم وعقائدهم وأفكارهم بإنصاف وفهم وتجرد يجد أن أهل الحديث هم أشدُّ الناس أتباعاً وطاعة وتعلقاً وارتباطاً بما جاءهم به نبيهم محمد- - كتاباً وسنة في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم ودعوتهم واستدلالهم واحتجاجهم وهم على غاية من الثقة والطمأنينة بأن هذا هو المنهج الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنه الطريق السليم والصراط المستقيم. وما عدا ذلك من المناهج والسبل فأمر لم يشرعه الله ولم يرض به ولا يؤدي إلا إلى الهلاك والعطب0 فمن هـم أهـل الحـديث إذا ؟ هم من نهج نهج الصحابة والتابعين لهم بإحسان في التمسك بالكتاب والسنة والعض عليهما بالنواجذ وتقديمهما على كل قول وهدي سواء في العقائد أو العبادات أو المعاملات أو الأخلاق أو السياسة والاجتماع. فهم ثابتون في أصول الدين وفروعه على ما أنزله الله وأوحاه على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم-. وهم القائمون بالدعوة إلى ذلك بكل جد وصدق وعزم. وهم الذين يحملون العلم النبوي وينفون عنه تحريف المغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. فهم الذين وقفوا بالمرصاد لكل الفرق التي حادت عن المنهج الإسلامي، كالجهمية والمعتزلة والخوارج والروافض والمرجئة والقدرية، وكل من شذ عن منهج الله واتبع هواه في كل زمان ومكان لا تأخذهم في الله لومة لائم. هم الطائفة التي مدحها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وزكاها بقوله: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة ". هم الفرقة الناجية الثابتة على ما كان عليه رسول الله- - وأصحابه، الذين ميزهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وحددهم عندما ذكر أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فقيل: من هم يا رسول الله ؟ قال:" من كان على ما أنا عليه وأصحابي". لا نقول ذلك مبالغة ولا دعاوى مجردة، وإنما نقول الواقع الذي تشهد له نصوص القرآن والسنة، ويشهد له التاريخ وتشهد به أقوالهم وأحوالهم ومؤلفاتهم. هم الذين وضعوا نصب أعينهم قول الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا (آل عمران: 103). وقوله: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (النور: 63). فكانوا أشد الناس بعداً عن مخالفة أمر رسول الله - وأبعدهم عن الفتن. وهم الذين جعلوا دستورهم فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (النساء: 65). فقدروا نصوص القرآن والسنة حق قدرها وعظموها حق تعظيمها فقدموها على أقوال الناس جميعاً وقدموا هديها على هدى الناس جميعاً واحتكموا إليها في كل شأن عن رضى كامل وصدور منشرحة بلا ضيق ولا حرج وسلموا لله ولرسوله التسليم الكامل في عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم. هم الذين يصدق فيهم قول الله: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (النور: 51). هم بعد صحابة رسول الله جميعا وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون هم سادة التابعين وعلى رأسهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن الحنفية وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق والحسن البصري ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز ومحمد ابن شهاب الزهري ثم أتباع التابعين وعلى رأسهم مالك والأوزاعي وسفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عينة وإسماعيل بن علية والليث بن سعد وأبو حنيفة النعمان. ثم أتباع هؤلاء وعلى رأسهم عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح والإمام محمد بن إدريس الشافعـي وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وعفان بن مسلم. ثم تلاميذ هؤلاء الذين سلكوا منهجهم وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني. ثم تلاميذهم كالبخاري ومسلم وأبي حاتم وأبي زرعة وأبـي داود والترمذي والنسائي. ثم من جرى مجراهم في الأجيال بعدهم كابن جرير وابن خزيمة والدارقطني في زمنه والخطيب البغدادي وابن عبد البر النمري0 وعبد الغنـي المقدسـي وابن قدامة وابن الصلاح وابن تيمية والمزي والذهبي وابن كثير وأقران هؤلاء في عصوهم ومن تلاهم واقتفى أثرهم في التمسك بالكتاب والسنة إلى يومنا هذا. هؤلاء الذين أعنى به أهل الحديث جهـودهم في خدمـة السـنة عمومـاً: وتدوين أسماء رواتها وبيان أحوالهم من عدالة وضبط وإتقان أو ضعف وكذب وتدليس وغير ذلك من أحوالهم من أنواع الجرح والتعديل مما يتعلق بالأسانيد والمتون بدون مجاملة لأحد لا تأخذهم في الله لومة لائم وتلك ميزة خاصة لأمة محمد- - امتازت بها على سائر الأمم حققها الله على أيدي أئمة أهل الحديث الذين أبدوا من الكفاءات العلمية المدهشة ما لا يلحقهم ولا يدانيهم فيها أهل أي علم من العلوم. وبرهنت أعمالهم وجهودهم وما خلفوه من تراث عظيم على عبقريات عظيمة وقرائح متوقدة وعقول خصبة قادرة على تشقيق علوم الحديث وتنويعها إلى حد تحار فيه الألباب. من هذا الإنتاج العظيم أنواع المـؤلفات اللاتي ذكرهـا: ا- الجـوامع. 2- المسـانيد. 3- والصحـاح. 4- السـنن. 5- المسـتخرجات. 6- كتب مفردة في أبواب مخصوصـة. ككتب في رؤية الله في الآخرة وكتب في الإخلاص والتوحيد. والطهور والسواك والأذان وصفة الصلاة. 7- كتب مفردة في الآداب والأخلاق والترغيب والترهيب. 8- كتب في التفسـير. 9- كتب في المصاحف والقـراءات. 10- كتب في الناسـخ والمنسـوخ. 11- كتب في الأحـاديث القدسـية. 12- كتب في المراسـيل. 13- الأجزاء عندهم تأليف الأحاديث المروية عن رجل واحد من الصحابة أو من بعدهم. 14- الفـوائـد. 15- الوحـدانيات. 16- الثنائيات والثلاثيات إلى العشاريات. 17- كتب في الشمائل والسير والمغازي. 18- كتب في أحاديث شيوخ مخصوصين. 19- كتب في جمع طرق بعض الأحاديث. 20- كتب في رواة بعض الأئمة أو في غرائب حديثهم0 21- كتب في الأحاديث الأفراد. 22- كتب في المتفق والمفترق وفي المؤتلف والمختلف. وكتب في المتشابه. 23- كتب في معرفة الأسماء والكنى والألقاب. 24- كتب في مبهم الأسانيد أو المتون. 25- كتب في الأنساب. 26- كتب في معرفة الصحابة. 27- كتب في تواريخ الرجال وأحوالهم. 28- كتب المعاجم. 29- كتب الطبقات. 30- كتب في علوم الحديث أي مصطلحه0 31- كتب في الضعفاء وكتب في الثقات وكتب فيهما. 32- كتب في العلل. 33- كتب في الموضوعات. 34- كتب في بيان غريب الحديث. 35- كتب في اختلاف الحديث. 36- كتب في الأمالي. 37- كتب في رواية الأكابر عن الأصاغر. 38- كتب في أدب الرواية. 39- كتب في العوالي. 40- كتب في الأطراف أي أطراف الأحاديث0 41- كتب في الزوائد. 42- كتب في الجمع بين بعض الكتب- الحديثية فهذه هي بعض المجالات التي كان يخوضها علماء الحديث والأثر تأليفاً ودراسة وهو يدل على همم عالية وعقول متفتحة خصبة واسعة الأفاق و إذا كان يحق للأمة أن ترفع رؤوسها وتعتز بأسلافها فبهؤلاء العباقرة وبعلومهم الواسعة النافعة وعقولهم النيرة المتفتحة، في الوقت الذي كان غيرهم ولا يزال يبذلون جهودهم في الحجر على العقول ودفع الأمة إلى الجمود القاتل المؤدي إلى الهلاك والضياع والفناء0 جهودهم الخاصة بالعقيدة والدعوة إلى الكتاب والسنة والتثبيت عليهما والدفاع عنهما: كان الصحابة- رضوان الله عليهم- ومن سلك منهجهم واتبعهم بإحسان في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم، مؤمنين إيماناً كاملاً بما جاء في كتاب الله المجيد وسنة رسوله المطهرة في باب أسماء الله وصفاته المقدسة من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل وكذلك في الإيمان بالقدر والجنة والنار وعذاب القبر ونعيمه وسائر المعتقدات التي حصل فيها الانحراف من بعض الفرق والله الخالق العليم الحكيم- قد فطر الناس وأعدهم وهيأهم وأعطاهم عقولاً تناسب الحق وتوافقه وأنزل إليهم كتباً تتضمن من العقائد والشرائع ما يوافق العقول السليمة والفطر الصحيحة التي سلمت من الانحراف والفساد0 فيتلقى حواريو الأنبياء ومن ورثهم بحق واتبعهم بإحسان ما جاء به الرسل والكتب بالإيمان والتسليم. وهذا كان موقف الصحابة الكرام ومن اتبعهم بإحسان. ولما ذرت قرون شياطين البدع وقفوا لهم بالمرصاد فضللوهم وبدعوهم وكفروا من يستحق التكفير وقتلوا بعض رؤساء البدع والفتن والزندقة ثم ردوا في مقالاتهم ومؤلفاتهم على أهل البدع وبينوا خطرها وضررها على الإسلام والمسلمين. وثبتوا المسلمين على كتاب ربهم وسنة نبيهم وبينوا لهم أن الواجب عليهم الإعتصام بكتاب ربهم وسنة نبيهم- - ومنابذة الأهواء وأهلها. إيمانا منهم أن القرآن والسنة كافيان غاية الكفاية في كل ما يجب على المرء الإيمان به واعتقاده كفيلان بهداية الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة. وأن الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة في مخالفتهما فاستناداً إلى ما جاء في الكتاب والسنة من وجوب اتباع الرسول- - وطاعته والانقياد له وإيجاب رد ما تنازع الناس فيه إلى الله والرسول والوعيد الشديد لمن خالف هذا المنهج وشرع في الدين ما لم يأذن به الله. ومن تحذير رسول الله- - من البدع وذمه لها وحكمه على كل بدعة أنها ضلالة وأنها مردودة لا يقبلها الله. قام من لحقتهم هذه الفتن من الصحابة بقمع أهلها والرد عليهم فقام علي- - بقتل الخوارج وروى هو وغيره من الصحابة عن رسول الله ما يحض على قتلهم وأنه من أفضل ما يقرب إلى الله. وأحرق غلاة الشيعة بالنار حينما غلوا فيه ورفعوه إلى درجة الألوهية. ولما بلغ عبد الله بن عمر- - أن قوماً ينفون القدر وأن الأمر عندهم أنف قال لمن اخبره بهم: " إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني براء منهم وأنهم مني برآء والذي نفسي بيده لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئاً حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ". وسئل مالك عمن يقول: "القرآن مخلوق"، قال: "هو عندي كافر فاقتلوه". وعن ابن المبارك والليث بن سعد وابن عيينة وهشيم وعلي بن عاصم وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح مثله ومثله عن النووي ووهب بن جرير ويزيد بن هارون 0 وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إن الجهمية يقولون: إن القرآن مخلوق. فقال: "إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى ، وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله أرى أن يستتابوا وإلا ضربت أعناقهم" 0 وقال الربيع بن سليمان المرادي صاحب الشافعي:" لما كلم حفص الفرد الشافعي فقال حفص القرآن مخلوق فقال له الشافعي- - " كفرت بالله العظيم " . وسئل مالك عن الاستواء فقال: " الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا صاحب بدعة وأمر به فأخرج وكان يقول: إن الله في السماء. وأخرج رجلاً من حلقته لأنه مرجيء"0 وقال سعيد بن عامر: " الجهمية أشر قولاً من اليهود والنصارى. قد اجتمعت اليهود والنصارى وأهل الأديان أن الله على العرش وقالوا هم: ليس على العرش شيء" . وقال ابن المبارك:" لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ها هنا بل على العرش استوى". وقيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال:" فوق سماواته على عرشه… وإنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية" . وقال البخاري: "نظرت في كلام اليهود والنصارى والمجوس فما رأيت أضل في كفرهم منهم وإني لأستجهل من لا يكفرهم إلا من لا يعرف كفرهم " . ونقل الإمام البخاري أقوال كثير من الأئمة في تضليل وتكفير الجهمية في إنكارهم أن الله في السماء وفي قولهم إن القرآن مخلوق0 (راجع خلق أفعال العباد له)0 وخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول إن الله على عرشه ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال:" اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير فمن فسر شيئاً منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وفارق الجماعة لأنه وصف الرب بصفة لا شيء". وأخرج ابنا أبـي حاتم في مناقب الشافعـي عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: "لله أسماء وصفات لا يسع أحداً ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر وأما قبل قيام الحجة، فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (انظر فتح الباري) (13/406- 407). وروى الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي المتوفى سنة 279 في جامعه حديث أبي هريرة- رضـي الله عنه- "إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد". وقال عقبه: هذا حديث حسن صحيح. وروى عن عائشة عن النبي- - نحو هذا ثم قال: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات ونزول الرب كل ليلة إلى سماء الدنيا قالوا قد ثبتت الروايات في هذا ويؤمن بها ولا يتوهم ولا يقال كيف؟. هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينه وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث أمروها بلا كيف وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات وقالوا: هذا تشبيه وقد ذكر الله في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر. فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم وقالوا: "إن الله لم يخلق آدم بيده" وقالوا:" إن معنى اليد هاهنا القوة". وقال إسحاق بن إبراهيم:" إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه". وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر ولا يقول كيف ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهاً. وهو كما قال الله تعالى: في كتابه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الترمذي كتاب الزكاة عقب حديث 662 جـ3 ص 43 طبعة الحلبي). وروى أيضا حديث الحسن البصري عن أبي هريرة مرفوعاً في السماوات والمسافات بينها وأن العرش فوقها وذكر الأرضيين والمسافات بينها ثم قال هذا حديث غريب من هذا الوجه. ثم اثبت استواء الله على عرشه فقال: "وهو على العرش" كما وصف في كتابه (48- كتاب التفسير حديث 3298)(5/404) طبعة الحلبي. أما المؤلفات في نصرة العقيدة والرد على أهل البدع فهو كثيرة لا تحصى نذكر منها ما يأتي: ألف الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والحديث المتوفى سنة 241 هـ: كتاب: الرد على الجهمية والزنادقة 0 وألف كتاب: السـنة. وألف ابنه عبد الله كتاب: السـنة. وألف أبو بكر بن أبي شيبة المتوفى سنة 235 هـ كتاب: الإيمـان. وألف الإمام البخاري المتوفى سنة 256 هـ: كتاب: خلق أفعال العباد ضمنه الرد على الجهمية المعطلة لصفات الله والقائلين بخلق القرآن0 وضمن كتابه الجامع الصحيح ثلاثة كتب في هذا المجال: كتاب: الإيمان وضمنه الرد على المرجئة. وكتاب: التوحيد وضمنه الرد على معطلة الجهمية. وكتاب: الاعتصام وضمنه وجوب اتباع الكتاب والسنة وضمنه الرد على أهل الرأي المفرقين في القياس والرد على منكري حجية خبر الآحاد . وألف أبو داود كتابه: السـنن وأدخل فيه كتاب السنة وضمنه الرد على القدرية والمرجئة والجهمية المعطلة وهو يضع تراجم واضحة بأسماء هذه الفرق كقوله بباب الرد على الجهمية في موضعين من كتاب السنة في الموضوع الأول رد عليهم إنكار استواء الله على العرش وفي الموضوع الثاني رد عليهم إنكار النزول. ووضع الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجة مقدمة لكتابه السـنن في اتباع سنة رسول الله- - استغرقت 98 صفحة وضمنها ستة وستين حديثاً ومائتـي حديث. وضمنها أبواباً كثيرة من جملتها باب فيما أنكرت الجهمية ذكر فيه إنكارهم الرؤية والكلام والاستواء على العرش وساق أحاديث في الرد عليهم وذكر الخوارج وغيرهم من المبتدعة وعقد باباً في اجتناب الرأي. وألف عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى سنة 280 هـ كتاب: الرد على الجهمية. وكتاب: الرد على بشر المريسي. وصنف أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي المتوفى سنة 292 هـ كتاب: السنة. وصنف أبو بكر محمد بن الحسين بن عبد الله الآجري المتوفى سنة 360 هـ كتاب: الشريعة. وكتاب: التصديق بالنظر إلى وجه الله وما أعد لأوليائه. وألف أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الشافعي الطبراني صاحب التصانيف المتوفى سنة 360 هـ كتاب: السنة. وألف الإمام أحمد بن محمد بن هانىء أبو بكر الأثرم المتوفى سنة 273 هـ كتاب: السنة. وألف الإمام أبو علي حنبل بن إسحاق الشيباني ابن عم الإمام أحمد بن حنبل وتلميذه المتوفى سنة 273 هـ كتاب: السنة. وألف الإمام أبو بكر أحمد بن محمد بن هارون الخلال مؤلف علم أحمد وجامعه المتوفى سنة 311 هـ كتاب: السنة وهو في ثلاث مجلدات. وألف الإمام أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان الأصبهاني ذو التصانيف المتوفى سنة 369 هـ كتاب: السنة. وألف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل الشيباني المتوفى سنة 287 هـ كتاب: السنة. وصنفه أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي الواعظ المعروف بابن شاهين الحافظ الكبير ذو التصانيف العجيبة المتوفى سنة 385 هـ كتاب: السنة 0 وصنف الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المتوفى سنة 324 هـ كتاب:الإبانة وكتاب: الموجز على طريقة أهل الحديث في إثبات الصفات وضمنه الرد على الجهمية وغيرهم من فرق التعطيل. وألف الإمام الحافظ خشش بن أصرم المتوفى 253 هـ كتاب: الاستقامة والرد على أهل البدع. وألف إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة المتوفى سنة 311 هـ كتاب: التوحيد وإثبات صفات الرب . وألف إمام المفسرين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 هـ عقيدة على منهج أهل الحديث وجرى في تفسيره الكبير الشهير على المنهج نفسه0 وصنف أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة الحافظ الرحال المتوفى سنة 301 هـ كتاب: السـنة. وصنف الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق الشافعـي النيسابوري المتوفى سنة 342 هـ المعروف بالصبغي كتاب: الأسماء والصفات. وكتاب: الإيمان بالقدر . وألف أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم العسال الأصبهاني المتوفى سنة 349 هـ كتاب: السنة. وألف أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعـي المتوفى سنة 377 هـ كتاب: التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع. وصنف الإمام الحافظ الكبير أمير المؤمنين في الحديث أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني المتوفى سنة 385 هـ كتاب: الصفات. وكتاب: النزول. وكتاب: الرؤية. وألف الإمام الحافظ عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري المتوفى سنة 387 هـ كتاب: الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة، والإبانة الصغرى، والسنة0 وألف الإمام الحافظ الجوال صاحب التصانيف الكثيرة محمد بن إسحاق بن يحـيى بن مندة المتوفى سنة 395 هـ كتاب: التوحيد، وكتاب الإيمان. وألف الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسـي الشافعـي المتوفى سنة 490 هـ كتاب: الحجة في مجلد . وألف الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي محدث بغداد المتوفى سنة 418 هـ كتاب: شرح أصول السنة. وألف الإمام أبو محمد عبد الله بن يوسف الجويني المتوفى سنة 438 هـ رسالة في إثبات الاستواء والفوقية. وألف الإمام الكبير أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي المتوفى سنة 481 هـ كتاب: الفاروق في صفات الله. وكتاب: ذم الكلام. وألف الإمام الزاهد شيخ الإسلام أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسـي الشافعي المتوفى سنة 490 هـ كتاب: الحجة في مجلد. وافتتح الإمام محي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعـي المتوفى سنة 516 هـ كتابه: شرح السنة. بكتاب الإيمان من ص 7- 231 ضمنه الأبواب الآتية: 1- باب الإيمان بالقدر 30- باب وعيد القدرية0 3- باب الرد على الجهمية0 4- باب الرد على من قال بخلق القرآن0 5- باب الاعتصام بالكتاب والسنة0 6- باب رد البدع والأهواء0 7-باب مجانبة أهل الأهواء. ونهج في كتابه التفسير نهج أهل الحديث والسنة في إثبات الصفات ومخالفة أهل الأهواء في ذلك0 وألف العلامة أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي صاحب شيخ الإسلام الهروي المتوفى سنة 532 هـ عقيدة على منهج السلف. وألف الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطلحي الأصبهاني المتوفى سنة 535 هـ كتاب: الحجة في بيان المحجة على منهج أهل الحديث. وألف الإمام الحافظ محدث الإسلام عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي الحنبلي، صاحب التصانيف المتوفى سنة 600 هـ كتاباً في الصفات في جزأين تذكرة الحفاظ 4/1374 0 وألف الإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية- - المتوفى سنة 728 هـ عدداً من الكتب في: العقيدة والدعوة إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، ومحاربة البدع، كالعقيدة الواسطية، والعقيدة الحموية، والعقيدة التدمرية، واقتضاء الصراط المستقيم، ومنهاج السنة، والرد على البكري، والرد على الاخنائي، والفتاوى، وكلها تهدف إلى العودة بالأمة الإسلامية إلى الكتاب والسنة وإلى منهج السلف الصالح. وألف تلميذه الإمام شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية- - المتوفى سنة 751 هـ كتاب: الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، وكتاب: اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية. والقصيدة النونية في مجال العقيدة. وأعلام الموقعين في باب الاعتصام بالسنة. وألف الإمام الحافظ شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي المتوفى سنة 748 هـ كتاب: العلو للعلي الغفار جمع فيه نصوص الكتاب والسنة في علو الله وما بلغه من أقوال الصحابة والتابعين وأئمة الحديث وأئمة الفقه وأتباعهم إلى عصـره. وألف العلامة القاضي صدر الدين علي بن علي بن أبي العز الحنفي الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 792 هـ رسالة سماها الإتبـاع موضوعها وجوب اتباع السنة كما شرح العقيدة الطحاوية على منهج أهل الحديث في الصـفات والقرآن والقدر وغيرها من العقائد الإسلامية. ثم كانت حركات الدعوة إلى الكتاب والسنة وتصحيح العقائد ومحاربة البدع في العالم الإسلامي. كحركة الصنعاني والشوكاني في اليمن. وحركة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية وحركة أهل الحديث في الهند امتداداً لدعوة أهل الحديث ومنهجهم وهي لا تزال قائمة إلى قيام الساعة كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة ". يرزق الله العلم السعداء ويحرمه الأشقياء عن عبد الرزاق، قال: سمعت سفيان الثوري يقول لرجل من العرب: " ويحكم، أطلبوا العلم، فإني أخاف أن يخرج العلم من عندكم فيصير إلى غيركم، فتذلون... أطلبوا العلم، فإنه شرف في الدنيا وشرف في الآخرة " وعن أبـي الدرداء ، قال: " يرزق الله العلم السعداء، ويحرمه الأشقياء ". وقال عبد الملك بن مروان لبنيه: " يا بني، تعلموا العلم، فإن استغنيتم كان لكم كمالاً، فإن افتقرتم كان لكم مالاً " وكان عبد الله بن مسعود يقول: " زيادة العلم: الابتغاء، ودرك العلم: السؤال... فتعلم ما جهلت، واعمل بما عملت " 000 (جامع بيان العلم وفضله) قال رسول الله : " لله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل بأرض فلاة دوية مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنزل عنها فنام وراحلته عند رأسه فاستيقظ وقد ذهبت، فذهب في طلبها فلم يقدر عليها حتى أدركه الموت من العطش، فقال : والله لأرجعن فلأموتن حيث كان رحلي، فرجح فنام، فاستيقظ، فإذا راحلته عند رأسه، فقال : اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح " متفق عليه.