وأما الأضحية فإنها تكون في وقت الضُّحى ولذلك سميت بهذا الاسم ، والضُّحى أول النهار، فإذا أشرقت الشمس فإنه من بعد إشراقها إلى اشتداد النهار يسمى ضحى، ثم إذا اشتد النهار قبل الزوال يقال له الضَّحى بالفتح، ثم يكون انتصاف النهار، والهاجر، والقيلولة ، فلما كان هذا النوع من القربان يذبح في هذا الوقت المستحب وهو أول النهار وصف بذلك، ولذلك استحب العلماء للأئمة والخطباء في عيد النحر أن يعجّلوا وأن يخففوا على الناس حتى يتمكن الناس من ذبح ونحر أضاحيهم في الوقت المستحب ؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي -r- أنه كان من سنته أن يعجل بالَأضْحى ويؤخر في الفطر والتعجيل بالأضحى لهذا المعنى فسميت الأضحية أضحية لأنها تذبح في هذا الوقت .
وجعل المصنف -- أحكام الأضحية تابعة للهدي؛ لأن الهدي هو المتصل بمناسك الحج والعمرة، ومن عادة العلماء والأئمة والفقهاء أن يذكروا النظير مع نظيره والشبيه مع شبيهه ؛ والأصل أن الكتاب كتاب أنه للحج والعمرة ، فناسب أن يبين سنية الهدي والإهداء إلى البيت ، ثم لما يبين الهدي يتكلم على أحكام الأضحية ؛ لأنها تكون في يوم النحر وهو من أيام الحج كما هو معلوم .
يقول : [ باب الهدي والأضحية ] : أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي تتعلق بالهدي والأضحية ، والمسلم مطالب أن يعرف أحكام أضحيته ؛ لأن هذه الأحكام يتلبّس بها ولربما يسأل عنها ، وحينئذ يتعلمها ليعمل بها ، ويعلمها الناس .
قال : [ والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر ] : والهدي والأضحية سنة لا تجب إلا بالنذر بيّن أن الهدي سنة من سنن النبي -r- وهديه ، وهذا في غير هدي القِران، وهدي التمتع، وجزاء الصيد، والإحصار، وهذا لأنها واجبة ولازمة . وأما بالنسبة للمراد هنا فهو ما خرج عن اللزوم ، ولذلك قال : لا تجب إلا بالنذر ؛ واختلف في الأضحية على قولين : أصحهما وأقواهما أن الأضحية واجبة لمن استطاع وقدر على شرائها بوجود قيمة الأضحية فاضلة عن قوته وقوت من تلزمه نفقته ؛ فهي واجبة ؛ لأن النبي قال : (( من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها ، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله )) وأمر النبي -r- بذلك ، ولو كانت غير واجبة لخيّر عليه الصلاة والسلام ؛ ولأن النبي -r- قال في حديث السنن وحسنه بعض العلماء : (( من وجد سَعة فلم يضح فلا يقربنّ مصلانا )) .
وذهب طائفة من العلماء إلى عدم الوجوب وقالوا إن النبي النبي قال في الحديث الصحيح : (( إنما ضحى بكبشين أملحين قال في أحدهما : (( اللهم هذا عن محمد وآل محمد ، وقال في الثانية : عمن لم يضح من أمة محمد -r- )) فقالوا إن هذا يدل على أن الأضحية ليست بواجبة .
وقد أجيب عن هذا الاستدلال بأن قوله : (( عمن لم يضح...)) يحتمل أن يكون المراد به من عجز ولم يقدر فجبر الله له ذلك العجز وبلغه بفضله -I- وكرمه على أمة محمد -r- بهذا الفضل ، فالحديث محتمل ، ومن هنا لا يقوى على صرف الأمر عن ظاهره ، وهذا لاشك أنه أقوى القولين وأحوطهما . ولما سئل عبد الله بن عمر - وأرضاهما- فسأله رجل عن الأضحية . وقال : يا أبا عبد الرحمن أواجبة هي ؟ فقال له وأرضاه : (( ضحى رسول الله وأبوبكر وعمر وعثمان )) . فرد عليه وقال : يا أبا عبد الرحمن الأضحية واجبة ؟ فرد عليه وقال : (( ضحى رسول الله وأبوبكر وعمر وعثمان )) . فلما كانت الثالثة وسأله قال له أتعقل ؟! ضحى رسول الله يعني من يترك هذا الشيء الذي فعله رسول الله وفعله الخلفاء الراشدون المهديون من بعده ، وهذا والله هو الفقه في حمل الناس على السنة ، وترغيبهم فيها وحثهم عليها وأرضاه .
وبيّن أن الأضحية تجب بالنذر فإن قيل بعدم وجوبها في أصل الشرع فإنها تجب بالنذر. وصورة ذلك : أن يقول: لله علي أن أضحي هذا العام ؛ فحينئذ إذا قلنا إن الأضحية ليست بواجبة فإنه يجب عليه أن يفي بنذره إذا كان مستطيعا .
قال : [ والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها ] : كونه يقول : سنة : السنة من هدي النبي ، وقد أهدى عليه الصلاة والسلام كما ذكرنا إلى البيت ، وتطوع في هديه ، فجمع بين الهدي الواجب والهدي المسنون ، ولذلك نحر بأبي وأمي -صلوات الله وسلامه عليه- ثلاثا وستين بدنة في حجة الوداع ، وأمر عليا أن ينحر ما بقي من الإبل تمام المائة ، وهذا يدل على أنه يجوز ويشرع أن يهدي الإنسان للبيت. فالواجب عليه -عليه الصلاة والسلام- الدم الذي ساقه معه ، وأما ما زاد على ذلك فإنه سنة ، ومن هنا قالوا إن الهدي سنة .
وأما الأضحية سنة بقوله -عليه الصلاة والسلام- وفعله أما قوله فأحاديث منها قوله -عليه الصلاة والسلام- : (( من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها )) وقوله -عليه الصلاة والسلام- حينما سأله أبو بردة - وأرضاه- قال له عليه الصلاة والسلام : (( تجَزيك ولا تَجزي غيرك )) وكذلك أيضا الفعل حيث إنه عليه الصلاة والسلام فعل الأضحية ، فضحى عليه الصلاة والسلام بنفسه، وتولى الأضحية بنفسه -صلوات الله وسلامه عليه- .
قال : [ والتضحية أفضل من الصدقة بثمنها ] : إذا كان عند الإنسان مال يكفيه لشراء أضحية سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم فهل الأفضل أن يتصدق بهذا المال أو الأفضل أن يضحي ؟ هذا مبني على أن الأضحية غير واجبة . أما إذا قلنا إنها واجبة فلا إشكال ؛ لأن التصدق نافلة والتضحية واجبة ، والواجب أفضل من غير الواجب بإجماع العلماء ؛ لأن النبي قال : (( يقول الله تعالى في الحديث القدسي ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه )) ، وأجمع العلماء على أن الواجبات أفضل من غير الواجب ، فلو صلى ركعتي الفجر فإنها بالإجماع أفضل من كل ركعتين من النوافل، إذا ثبت هذا الكلام عند المصنف -- والخلاف في هذه المسألة مبني على القول بعدم وجوب الأضحية ، فهل الأفضل أن يتصدق بالثمن أو يضحي ؟ هذا راجع إلى مسألة المفاضلة والمفاضلات بابها ينبغي ضبطه بالكتاب والسنة ؛ لأنه لا يجوز لأحد أن يفضل قولا ولا عملا إلا بنص شرعي ؛ لأن التفضيل راجع إلى حكم الشرع ، فلا يستطيع أحد أن يقول إن هذا أفضل إلا إذا كان أكثر ثوابا وأعظم منزلة وقربة لله -Y- ، وهذا أمر غيبي يفتقر إلى ورود النص ، ومن هنا تكلم العلماء على قواعد المفاضلة في الأقوال والأعمال ، ثم المفاضلة تكون بين الأركان وتكون بين الواجبات وتكون بين المستحبات والمسنونات ، ثم تكون بين المؤقت وغير المؤقت إلى غير ذلك مما هو معلوم في قواعد الفقه وما بحثه العلماء في هذا الباب . فمسألة التصدق بالمال قال بعض العلماء : التضحية أفضل من الصدقة بالمال بمعنى أنه إذا اشترى الأضحية وذبحها أو نحرها فهذا أفضل من أن يأخذ المال كله ويتصدق به .
وقال بعض العلماء : الأفضل أن يتصدق بالمال . أما الذين فضلوا أن يضحي فقالوا : إن هذه سنة مخصوصة بزمان مخصوص ووقت مخصوص ، ففعلها في هذا الزمان المخصوص والوقت المخصوص يقتضي تفضيلها على أي شيء مطلق ؛ ولذلك من قواعد العلماء : (( أن المقيد فيما قيد به أفضل من غير المقيد )) فمثلا أنت إذا كنت في عمل صالح وجاء عن الشرع النص بالقول والعمل يفضل قولا أو فعلا في هذا الوقت ، وجاء نص يفضل قولا وفعلا في عموم الأوقات قُدّم المقيد ومن ذلك الصلاة على النبي -r- يوم الجمعة ، حينما قال طائفة من العلماء الصلاة على النبي والإكثار منها يوم الجمعة أفضل من غيرها من النوافل ، وهذا مبني على النص ؛ لأن النبي قال : (( فأكثروا علي من الصلاة فيه )) فجاء مقيدا بالزمان حتى اختلفوا وقالوا : الأفضل أن يكثر من الصلاة على النبي وقالوا إنه أفضل من أن يكثر من تلاوة القرآن ليس معنى ذلك أن جنس الصلاة أفضل من جنس القرآن أبدا بإجماع العلماء على أن قراءة القرآن هي أفضل وأعظم أجرًا عند الله -U- لكنه لما ورد النص عن النبي بالتخصيص فُضّل ، ومن ذلك : مسألة الاستغفار في الأسحار هل الأفضل أن يكثر من الاستغفار أو يقرأ القرآن في السحر في آخر السحر ؟ قالوا إن الله أثنى على المستغفرين بالأسحار، فهذا ذكر مخصوص في وقت مخصوص يفضل للوارد هذا راجع إلى قاعدة تقول : (( الوارد أفضل من غير الوارد )) هذا أمر بديهي لكن مراد العلماء أن الفضائل والمستحبات إذا وردت بخصوص زمان أو بخصوص مكان فإنها مفضلة للورود .
وجه هذا التفضيل : قالوا إنه إذا ضحى في يومه فإنه يصيب أجرين : الأجر الأول في كونه ضحى فإنه مال أنفقه وخرج عنه لله وفي الله وفي طاعة الله صدقة وقربة ثم يثاب من جهة المتابعة للنبي ، وهذا مثل مسألة الصلاة بمكة ظهر اليوم الثامن وهو يوم التروية ، فإن الحاج في اليوم الثامن السنة عن النبي أنه يصعد إلى منى ، صعد وصلى اليوم الثامن الظهر بمنى ، فعلى القول بأن التفضيل خاص بالمسجد نفسه وأن الصلاة بمائة ألف صلاة خاصة بالمسجد نفسه قالوا إنه لو كان بمكة وأمكنه أن يصلي الظهر في المسجد الحرام وأن يصليه في مسجد الخيف أو في مسجد منى فالأفضل أن يصلي في ذلك اليوم الظهر بمنى أو بخيفها ؛ لماذا ؟ لأنه وارد عن النبي والاتباع يقتضي زيادة المرتبة وعلو الدرجة ؛ لأن الله –I- جعل في متابعة النبي أعظم شيء منحه وأعطاه لعباده هو الهداية ، الهداية التي المسلم ولا يصلي صلاته ولا تقبل له الصلاة على الصحيح من أقوال العلماء أن الصلاة إلا بالفاتحة بعينها وهي مذهب الجمهور في كل صلاة وهو يقول : اهدنا الصراط المستقيم يسأل الله الهداية . جعل الله أعز شيء وأعظم نعمة وأفضل نعمة وهي نعمة الهداية في متابعة النبي فقال : واتبعوه لعلكم تهتدون فقالوا إن هذه المتابعة تقتضي المفاضلة ، وعلى هذا فالأفضل أن يضحي ، ولاشك أن التضحية متابعة للنبي -r- أفضل من الصدقة ؛ لأن الصدقة عامة ، والأضحية خاصة ، لكن كل هذا كما ذكرنا على القول بعدم الوجوب .
أما مسألة الصدقات في عمومها بعض العلماء يقول قلنا بتفضيل الصدقة ؛ لأن المسكين حينما يأخذ المال يملكه، وإذا ملكه صرفه في منافعه فكان أعظم رفقاً به حينما يأخذ اللحم ؛ لأنه إذا ضحى وأعطاه اللحم فإنه قد جعل الانتفاع خاصا بالأكل ، لكن حينما يعطيه المال جعل انتفاعه أكثر من الأكل ، يستطيع أن يستخدم المال في طعامه وفي شرابه وفي قضاء دينه إلى غير ذلك فقالوا إنه لا يخصه بعمل معين ، ومن هنا فضلوا إعطاء المال على التضحية ، وهذا كله كما ذكرنا محله أن لا يكون هناك وارد .
قال : [ والأفضل فيهما الإبل ] : والأفضل في الهدي والأضحية الإبل ؛ وذلك لأن النبي -r- قال : (( من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن )) فجعل مرتبة الإبل أفضل من مرتبة البقر، ومرتبة البقر أفضل من مرتبة الغنم ، ومن هنا قالوا إن الإبل أفضل ما يهدى ، وأفضل ما يضحى به ؛ ولأن النبي جعل البعير مجزئا عن سبعة ، فالجزور الواحد يجزئ عن سبعة ، فلو أن سبعة أشخاص اشتركوا في شراء بعير وضحوا به أجزأهم ، والشاة تجزي عن الرجل وأهل بيته ؛ كما صح في حديث أبي أيوب - وأرضاه- ، وعلى هذا لاشك أن الإبل أفضل ، ولأن الإبل أكبر جسما ، وكذلك أغلى ثمنا ، ومن هنا كانت أفضل من البقر وأفضل من الغنم .
قال : [ ثم البقر ] : ثم البقر ؛ لأن النبي جعل الرواح في الساعة الثانية من الجمعة كمن ذبح بقرة وهذا فيه رد على من يقول من العلماء إن الإبل والبقر بمنزلة واحدة وهناك من يقول إن ا لإبل والبقر لا تفضيل بينهما إلا من جهة الصفات : أن تكون إحداهما أسمن أو أطيب لحما أو أحسن حالا وصفة في الكمال فحينئذ تفضل أما جنس الإبل والبقر فيجعلهما في مرتبة واحدة ؛ ودليلهم أن النبي جعل الإبل عن سبعة وجعل البقر عن سبعة فدل على أنهما بمرتبة واحدة .
ونقول : إن السنة دلت على أن البقر دون الإبل على ظاهر قوله : (( من راح في الساعة الثانية فكان كأنما قرب بقرة )) وكون الشرع يجعل الإبل عن سبعة والبقر عن سبعة لا يقتضي أنهما بمنزلة واحدة ، فقد يكون المنزلة واحدة والتفضيل بالصفات كما لو كان أحد البعيرين أسمن وأوفر لحما والثاني دونه ويجزي فإننا نقول: إن كلا منهما يجزئ عن سبعة ولكن التضحية بهذا أفضل من التضحية بهذا ، ولاشك أن الإبل أكبر وأوفر لحما من الغنم ، وعلى هذا فيقدم الإبل على البقر .
قال : [ ثم الغنم ] : ثم الغنم والإبل بنوعيها : العراب ، والبختية ، والبقر بنوعيه : البقر ، والجواميس، والغنم بنوعيه : الضأن ، والمعز، فجعل الله -U- في الإبل زوجين ونوعين. فالإبل بالنوعين : العراب ، والبختية، وأفضلها العراب ، والعراب هي التي لها سنام واحد ، والإبل البختية هي التي لها سنامان ، وفضلت العراب ؛ لأنها هي التي أهدى بها رسول الله -r- ، والبقر يفضل على الجاموس ؛ لأن النبي ضحى عن نسائه بالبقر ، وعلى هذا فإن البقر أفضل من التضحية بالجاموس ؛ والجاموس يدخل في هذا بنوعيه ، وكذلك بالنسبة للغنم فالضأن أفضل من المعز؛ لأن النبي -r- ضحى بكبشين أملحين أقرنين ، ولأنه أطيب لحما ، وأكثر نفعا ، ومن هنا قدم وفضل على المعز ، ولذلك يجزي منه الجذع ويوفي مما يوفي منه الثني من المعز ، وهذا يدل على أن شأن الضأن أفضل من شأن المعز وإن كان كل منهما يجزئ عن الرجل وأهل بيته .
قال : [ ويستحب استحسانها واستسمانها ]: ويستحب للمسلم إذا أراد أن يضحي أن يستسمن الأضحية وأن يستحسن . أما الاستسمان فهذا راجع إلى حال الكمال في صفة البهيمة إبلا كانت أو بقرا أو غنما ، فالسمين منها أفضل وأعظم أجرا ، ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام عن أعظم البهائم أجرا عند الله -U- وهذا شامل للأضاحي والهدي قال : ((أنفسها وأغلاها ثمنا عند أهلها )).
أنفسها : والنفيس من كل شيء أفضله ، والذي يعز وجوده ، ولذلك السمين أنفس وأحب إلى أهله ، وعلى هذا يعتبر من كرام المال ، وقد تقدم معنا في الزكاة أن الساعي و الجابي لا يأخذ السمينة ؛ لأنها كريمة مال ، فمن كرام المال السمان ، فأحسن وأفضل ما تكون الأضحية إذا كانت سمينة ، وسمنها يزيد في لحمها ، وزيادة في طيبها ، وحينئذ يكون أعظم أجرا إذا تصدق بها ؛ ولأن السمين أغلى ثمنا ، وإذا كان أغلى ثمنا فهو أغلى كلفة ومشقة ، فيكون أكثر ثوابا عند الله -U- ولذلك قال : (( أنفسها وأغلاها ثمنا عند أهلها )) ولاشك أن السمين كذلك .
والاستحسان : الاستحسان يكون في الصفات فإذا كانت حسنة الحال في شكلها وصفاتها فبعض البهائم تكون لها صفات محمودة من الإبل والبقر والغنم إلا أن هذا الاستحسان راجع إلى طيب اللحم ، البهائم يستحسنها أهلها ويستطيبونها وتكون عزيزة عندهم على حسب المقاصد ، فالبهمية إما مركوبة وإما محلوبة وإما مأكولة ، فهذه مصالح الناس في البهائم : مركوبة فيما يركب كالإبل ، فإنها تكون عزيزة في الرَّكوب إذا كانت على صفات معينة ، وتكون كذلك حلوبا ، فإذا أرادها للحليب فإنها تكون عزيزة وغالية عند أهلها بصفات معينة يعرفها أهل الخبرة ، كذلك إذا كانت للأكل ، فالاستحسان هنا من جهة الأكل أن تكون حسنة في حالها وصفاتها ومن جهة الأكل ومن جهة الصفة ، فبين من جهة الأكل بقوله : سمينة بصفة السمن، والاستحسان في الشكل .
قال : [ ولا يجزئ إلا الجذع من الضأن والثني مما سواه ] : بعد أن بين حكم الأضحية والمفاضلة بين أنواعها يتبع هذا أن التضحية والهدي لا يكون إلا من هذه الثلاثة الأنواع : الإبل، والبقر، والغنم ، فلا يضحي بغير هذه الثلاث ، وهذا مذهب الجماهير من السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة فلا يضحي بدجاجة ، ولا يضحي بـمثلا غزال ولا يضحي بتيثل ولا وعل ، فهذه كلها ليست بأضحية وليست محلا للأضحية ؛ ولذلك خص النبي -r- المسن من بهيمة الأنعام ، وهذا يخص الإبل والبقر والغنم ، ونص الله U على اعتبار البهيمة يدل على أنه لا يكون إلا من هذا النوع ، فإذا ثبت هذا فإنه لابد وأن يراعى في هذه البهائم سنا معتبرا يراعي سنا معتبرا فلا يجزئ ما نقص عن هذه السن ، وهذا يعتبر من شروط صحة ا لأضحية .
فالشرط الأول : أن تكون من بهيمة الأنعام ، فلا يجزئ من غيرها .
والشرط الثاني : أن تكون قد بلغت السن المعتبر ، والسن المعتبر الثني من المعز ، والإبل والبقر ، فالثني من الإبل هو الذي بلغ الرابعة وطعن في الخامسة ، أتم الرابعة وطعن في الخامسة .
وأما بالنسبة للغنم فإن الماعز يكون ثنيا إذا أتم السنة ودخل في الثانية .
ومن ا لبقر إذا أتم السنتين ودخل في الثالثة .
قال r : (( لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن )) وقال r في الحديث الصحيح : (( إن الجذع يوفي مما يوفي منه الثني )) فعندنا الأصل وما يستثنى، فالأصل أن الثني من الإبل والبقر والغنم واستثنى رسول الله من هذا الشرط - أن يكون ثنيا - الضأن فقط وهو الذي يسمى في عرف العامة اليوم : الطلي الذي له ألية ، فهذا النوع من الغنم يجزئ منه ما أتم ستة أشهر إذا كان جيد المرعى ، قالوا إنه يكون جذعا من الضأن إذا أتم ستة أشهر . وبعض العلماء يقول : إنه لا يكون جذعا إلا إذا بلغ ثلاثة أرباع الحول ، ومنهم من يقول إذا قارب تمام الحول.
والصحيح الذي ذكره بعض الأئمة أنه يختلف بحسب اختلاف المراعي ، ولذلك قد يجذع بإتمام الستة الأشهر إذا كان طيب المرعى ، وقد يجذع في أكثر الحول أو إذا قارب تمام الحول على حسب اختلاف المرعى .
إذًا لا يكون جذعا دون ستة أشهر وهذا هو بيت القصيد أنه أتم ستة أشهر ، ودخل في أكثر الحول . هذا بالنسبة للشرط المعتبر ؛ لأن النبي -r- رد على أبي بردة -t- حينما ضحى بالعناق وقال له : (( تجزيك ولا تجزي غيرك )) .
فيشترط في الأضحية أن تكون بعد الصلاة لا قبل الصلاة ، فجاء أبو بردة t وضحى قبل صلاة النبي r لعيد الأضحى ، وقال كما في الصحيحين : (( فأحببت أن يكون أول شيء يصيب أهلي من طعامها )) فقصد بالتعجيل المبادرة بهذه السنة ، فلما أخبر النبي -r- أمره أن يذبح أخرى مكانها فقال : (( ليس عندي إلا عناقا)) وهي أصغر فقال r له : (( تجزيك ولا تجزي غيرك )) وهذا يدل على أن الأضحية لابد أن تبلغ سنا معتبرة. ولذلك قال r : (( لا تذبحوا إلا مسنة )) فجعل السن شرطا ، وعلى هذا جماهير السلف والخلف وهو كالإجماع على أن الأضحية لا تجزي والهدي لا يجزي إلا إذا كان قد بلغ السن المعتبرة .
قال : [ وثني المعز ما له سنة ] : ثني المعز ما أتم السنة ودخل في الثانية وعلى هذا إذا أتم السنة ودخل في الثانية جاز أن تُضَحّي بها ، وأيضا لو أن شخصا سألك وقال : علي دم إما في حج مثل أن يكون مثلا فدية حج فأصاب محظورا من محظورات الإحرام فقال: أريد أن أذبح دما فماذا أفعل ؟ تقول له ينبغي أن يكون قد بلغ السن المعتبرة فكل دم واجب على الشرع سواء بالعبادة أو أوجبه على نفسه بالنذر فإنه لابد أن يبلغ السن المعتبر هذه على التفصيل الذي يذكره المصنف في الغنم أتم السنة ودخل الثانية ، ولذلك يقال له الثني.
إذًا يستثنى من الغنم في إتمام السنة الضأن فإنه يمكن أن يضحي به إذا كان دون السنة كما ذكرنا إذا كان جذعا من الضأن .
قال : [ وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ] : وثني البقر ما أتم السنتين فإذا أتم السنتين فإنه ثني وحينئذ يجزئ أن يذبحه ، وأن يتقرب به في هدي أو أضحية ، وأما الإبل فما أتم .
قال : [ وثني الإبل ما كمل له خمس سنين ] : ما كمل له خمس سنين : هذا راجع إلى مسألة فقهية : هل العبرة في الحد بأوله أو بتمامه ؟ فكلهم متفقون على أنه لا يكون إلا بعد تمام أربع سنوات ، ثم اختلفوا فقال بعضهم : طعن في الخامسة ، وإذا قيل طعن في الخامسة كما ذكرنا في أول الحديث فهو أن يكون في أكثر الحول من الخامسة يعني أتم ستة أشهر وقارب التمام ، وهذا ذكره بعض أهل الخبرة ، ولذلك نجد بعض الفقهاء اعتمدوا على هذا القول . قالوا طعن في الخامسة .
ومنهم من يقول أتم الخامسة كما قال المصنف -- وهذا كما ذكرنا راجع إلى التفصيل الذي ذكرناه باختلاف المرعى والأحوال .
قال : [ ومن البقر ما له سنتان ] : ومن البقر ما له سنتان كما ذكرنا .
قال : [ وتجزئ الشاة عن واحد ] : وتجزئ الشاة عن واحد ؛ لأن النبي -r- جعلها عن الرجل وأهل بيته كما في الحديث الصحيح أن الشاة كانت تجزئ عن الرجل وأهل بيته فهي في الأصل مجزئة عن المضحي نفسه. وأما بالنسبة لأهل بيته فهم تبع .
وأجمع العلماء -رحمهم الله- على أن الشاة لا تجزئ عن أكثر من واحد ، ولو اشترك اثنان في شاة لم تقع عنهما. وعندهم خلاف في مسألة لو أنهما ذبحا على هذه الصفة على من تجزي ؟ هل لأول مُسَمٍّ منهما أو للمالك الحقيقي على تفصيل عند العلماء ؛ لأن هناك أحوالا أن يكون مشتركين استحقاقا كما في الشريكين أن يكونا مشتركين هدية يقول له : أشركك معي تبعا هذا كله فيه تفصيل لكن من حيث الأصل لو اشترك اثنان في شاة أو اشترك أكثر من واحد في شاة لا تجزي إلا عن الرجل نفسه ، ولا تجزي عن أكثر من رجل إلا عن أهل بيته تبعا ، وعلى هذا الأصل فيها عن الشخص نفسه ، وهذا منصوص العلماء في كتبهم أن الشاة لا تجزي إلا عن الرجل وحده . تجزي عن أهل بيته كزوجته وأولاده ، فإذا كانت له أسرة ولو كانت كثيرة العدد فلو كان عنده أكثر من عشرة أولاد وكلهم في رعايته وهو الذي يقوم عليهم وهو الذي ينفق عليهم وهم تبع له وفي بيت واحد فإنه يضحي بشاة واحدة عنه وعن آله .
وأما بالنسبة للبقر والإبل فإن النبي -r- جعلهما عن سبعة ، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة رضوان الله عليهم اشتركوا في الإبل عن سبعة ، وكانت السبعة منهم ينحرون الجزور ويجزيهم .
قال : [ والبدنة والبقرة عن سبعة ] : كما ثبت في حديث جابر -t- وغيره وفي حديث أم المؤمنين عائشة في المسند وغيره عنها (( أن النبي r ضحى عن نسائه بالبقر )) فالبقر يحصل فيه التشريك بنوعيه ، وهكذا الإبل .
قال : [ ولا تجزئ العوراء البين عورها ] : الاشتراك في التضحية وفي الهدي، فلو مثلا فرضنا أن سبعة أشخاص كل واحد منهم عليه دم فدية في الحج أو ذهبوا في عمرة ولزمتهم الفدية في حلق أو تقصير أو نتف شعر أو تغطية أو طيب أو نحو ذلك من الفدية فلزم كل واحد منهم دم أو أحرموا دون الميقات وهم سبعة فنقول لهم: اشتركوا في بعير على الصفة المعتبرة وانحروه عنكم ، فحينئذ يجزئ عن السبعة ، ولو أن سبع أسر أرادوا أن يشتركوا في أضحية فاجتمعوا واشتروا جزورا أجزأ هذا الجزور عن سبعة بيوت ، وهكذا لو استطابوا البقر فأرادوا أن يأكلوا لحم البقر والحال يصعب أن أحدهم يشتري بقرة فقال نريد أن نشترك في سبعة في هذه البقرة فدفعوا ثمنها أجزأت أضحية عنهم .
إذًا الاشتراك سواء كان من الشخص في واجب أو في غير واجب .
كذلك أيضا ذكر بعض العلماء أن من وجبت عليه الفدية في سبعة أخطاء ، أو مثلا تكررت على وجه لا تتداخل فيه في الأنواع ، فقالوا لو أنه جاء بعمرة سبع مرات وهو يتخطى الميقات ، ولا يحرم من الميقات عالما متعمدا؛ فلزمه الدم قالوا صح أن ينحر الجزور بمكة صدقة على أهل مكة ؛ لأن الدم الواجب في جبران الواجبات في الحج يكون بمكة، فنحر بمكة جزورا أجزأه عن الإخلالات السبعة ، فيحصل التشريك سواء عن الشخص نفسه فيما وجب عليه . شخص قال : والله أنا صعب علي أن أذبح سبع شياه أو وجد أن قيمة سبعة الشياه مثلا بثلاثة آلاف وخمسمائة أمكنه أن يشتري بقرة بألف ريال وهي بنفس الصفات المعتبرة أجزأته عن هذه الإخلالات .
هذا فيما يحصل فيه التداخل ، ويحصل فيه التشريك . فالتشريك في الجزور سائغ على هذا الوجه ، لكن لو أن أربعة أشخاص أرادوا عقيقة فكل واحد من الثلاثة مثلا ولد له ذكر والرابع منهم ولدت له أنثى فأرادوا أن ينحروا جزورا نقول: لا ؛ لأن مقصود الشرع هنا بالعقيقة كما ذكر بعض الأئمة -- بالدم نفسه شاتان متكافئتان عن الذكر وشاة عن الأنثى، وحينئذ لا يحصل التداخل ولا الاجتماع ؛ لأنه يخالف مقصود الشرع ، فيحصل التداخل والتشريك في الدماء الواجبة ، ويحصل التداخل والتشريك في الأضحية ، ويحصل التداخل والتشريك في اجتماع الاستحقاقات حتى ولو كان من شخص واحد أو أشخاص ، فلو كان على أحدهم ثلاث فديات واجبة والآخر عليه أربعة ، فدفع الأول الذي عليه ثلاث ثلاثة أسباع قيمة الجزور، ودفع الآخر أربعة أسباع القيمة مثلا كانت قيمة الجزور سبعمائة ريال فإنه يدفع الأول ثلاثة الأسباع ثلاثمائة والثاني يدفع أربعة أسباع أربعمائة ، وينحران جزورا ويجزي عما يجب عليهما .