أ- نسب المؤلف:
هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن يوسف بن أحمد بن ودين بن أحمد من بني المبارك الداودي الوحليمي سليل بني إسحاق سادات أهل سوس الذين يرتفع نسبهم رفعا صحيحا إلى سيدنا الصحابي الجليل أبي بكر الصديق.
هذا النسب ذكره العلامة الشنقيطي الجكني محمد بن عمر بن محمد الأمين في قصيدة له .
لقد كان محمد المختار السوسي قد خصص ترجمة حافلة للتغرغرتي في كتابه الكبير المسمى بـ: المعسول, وافانا فيها ببعض الأخبار عن آباء وأجداد المترجم, لكنه ساق نسبه باختلاف مع ما أوردنا سابقا, وهو مؤرخ ثقة ينقل عن أحفاد المترجم.
قال: "عبد الرحمن بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن, وينتهي نسبهم إلى أبي بكر الصديق فيما يقوله أجدادهم, وتعرف الأسرة بأهل الفقيه وبـ: آيت الطالب."
ثم قال بشأن عبد الرحمن بن عبد الله جد المترجم: "يوجد خطه في سلات الرسوم, ويوجد في أوائل القرن الثاني عشر [الهجري]. وأخباره مندثرة فلم يبق إلا شهرته بالإفتاء وفض النوازل."
وقال بشأن عبد الله بن عبد الرحمن ولد من قبله: "كذلك اشتهر بما اشتهر به والده. كان يفتي ويقضي بين الناس في خصوماتهم, على عادة الفقهاء المحكمين. ولعله يحيا إلى 1160هـ."
وقال بشأن إبراهيم بن عبد الله ولد من قبله: "شهرته أكبر من شهرة أبيه وجده. وكان يشارط في مدرسة "أرغن" يدرس فيها, ويفتي ويقضي في النوازل. وقد كان يحيا في أواخر القرن الثاني عشر إلى أوائل الثالث عشر. إلا أنه توفي قبل 1214هـ. وتوجد بكثرة آثار أعماله في قسمة الأملاك والفتاوى. ولا يدرى عمن أخذ, مع أنه من أقران الحضيكي وطبقته."
وقال بأن مترجمنا عبد الرحمن بن إبراهيم كان علامة محدثا مؤلفا مدرسا كبيرا صدرا, شهرته طبقت الآفاق بالمغرب, وكان يعرف أيضا بسيدي عبد الرحيم التَّغَرْغَرْتِـي.
ب- المولد والموطن والنشأة:
ولد العلامة عبد الرحمن بن إبراهيم بعد سنة 1189هـ في محل يسمى: إيـمِّي نْوَدَايْ من فرقة تغرغرت من قبيلة أندوزال. لذا وقع المؤلف اسمه آخر كتابه هكذا: عبد الرحمن بن إبراهيم الأوزالي التغرغرتي .
مات إبراهيم والد عبد الرحمن التغرغرتي وتركه صغيرا فتكفلت برعايته والدته, وكان بها بارا ويروى أنه عندما أدرك مدرك الرجال ورأى بأن والدته لا تزال شابة زوجها لشيخه إبراهيم الأرغني, فرضيت عنه بذلك. نحن نعرف ما تيسر بشأن طلبه العلم من خلال ما خلده بنفسه في كتابه المفيد في طبقات العلماء والصلحاء , إذ نجد في تضاعيف تراجم شيوخه وصفا دقيقا لهم ولمسلكهم في التربية والتدريس.


ج- التغرغرتي مدرسا:
لما بلغ مترجمنا مبلغ الرجال, ضرب الوباء الجارف البلاد فأهلك الحرث والنسل, وذلك في عام 1214هـ, فاستأذن أحد الصالحين على أن يبدل غاية جهده في تعليم أولاد الناجين من الوباء, فأذن له في ذلك, فأقبل على التعليم في المدارس.
ومن المدارس التي علم فيها:
- مدرسة سيدي إبراهيم بن عمرو من بلدة أداوزادوت التابعة لدائرة إغرم.
- مدرسة آيت كربان عند مشهد سيدي محمد بن مسعود الكرباني .
- مدرسة أرغن .
- مدرسة تمورت التابعة حاليا لجماعة زكموزن , من قيادة تاليوين التابعة لعمالة مدينة تارودانت.
ثم لازم عبد الرحمن التغرغرتي داره بإيمي نوادي بتغرغرت, وأسس مدرسة لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الإسلامية من فقه وحديث وسيرة وتفسير ونحو ولغة.
قال الأستاذ محمد حيان واصفا لهذا الحدث الذي كان له الأثر العظيم على أبناء تغرغرت: "لما عاد العلامة عبد الرحمن إلى بلدة إيمي نْوَدَايْ واستقر به المكان في المدرسة, كبر طموح القبيلة التي أخذت على نفسها أن تخصص للمدرسة ثلث أعشارها وجعلوا لها بيتا جعل مفتاحه أمانة عند رجل أمين يتكلف بتوزيع 14كلغرام من الشعير لكل دار تكلف تباعا على تحضير قصعة من الكسكس لإطعام الطلبة في وجبة الغذاء, أما الفطور والعشاء فقد تكفلت به الأسر.
ثم سن المحدث عبد الرحمن التغرغرتي في مدرسته قراءة صحيح البخاري في شهر رمضان في بيت- سمي اليوم بـ: بيت البخاري- وكان التغرغرتي يحب أن يختم البخاري في سابع يوم بعد 12 ربيع الأول الذي ولد فيه النبي . وكانت القبيلة تأتي من منازلها بالطعام للمدرسة ليأكل منه كل من حضر ختم البخاري" .
وقد حفظ لنا المؤرخ محمد المختار السوسي خبر بعض من تتلمذ على التغرغرتي, فمنهم:
1- ابنه محمد بن عبد الرحمن , وهو نجيب محصل تخرج على يد والده, وقد وقف محمد المختار السوسي على منسوخاته منها شرح الدردير. توفي قبل والده عبد الرحمن وترك أولادا فنزلهم جدهم المذكور منزلة أبيهم. ثم انقرض عقب هذا الولد.
2- أحمد بن عبد الرحمن شقيق المتقدم, وقد حفظ القرآن على والده.
3- امْحَمّد بن عبد الرحمن من امرأته حجو بنت محمد الشريفة . وهو فقيه حسن كان يفتي ويقضي. وقد درس في المدرسة التي أسسها والده إزاء داره. توفي امحمد سنة 1296هـ. وفي عهده كان الظهير الشريف الذي أصدره السلطان الحسن الأول بشأن احترام ذرية التغرغرتي. وهذا نصه: "يعلم من كتابنا هذا أسماه الله وأعز أمره وأطلع في فلك السعادة شمسه المنيرة وبدره أننا بعون الله وأفضاله سدلنا على ماسكيه المتمسكين بالله تعالى ثم به أولاد الفقيه البركة السيد عبد الرحمن بن إبراهيم التاغرغرتي أردية التوقير والاحترام, وحملناهم على كاهل المبرة والإكرام, وحاشيناهم عما يكلف به العوام من الوظائف المخزنية, والتكاليف الإمامية. فنأمر الواقف عليه من عمالنا وولاة أمرنا أن يعمل بمقتضاه, ولا يتعداه إلى ما سواه. صدر به أمرنا المعتز بالله تعالى في 24 من ربيع النبوي الأنور عام 1293هـ".
4- محمد بن محمد الهنائي من بني حسين, له إجازة عامة كتبها لأولاد شيخه في انسلاخ عام 1278هـ.
5- محمد بن عبد الرحمن, وأمه رقية بنت إبراهيم أخت التغرغرتي. لازم خاله حتى تخرج به, فكان عالما حسنا يقسم الأملاك ويفتي ويحكم في النوازل. وقد يشارط في مدرسة سيدي سعيد بن أحمد من تيركت إلى أن توفي هناك نحو 1301هـ.
6- محمد بن الفقيه أحمد الأوداشتي. تخرج بوالده وبعبد الرحمن التغرغرتي. توفي سنة 1318هـ.
كانت للعلامة التغرغرتي عناية بالعلم والعمل معا فكان كما قلنا يعلم القرآن والعلوم الشرعية, وكان يعتني بغرس الأشجار بيده ويعد له أزيد من ألف شجرة أدركت كلها وآتت أكلها تحت بصره, وكان كلما حفظ تلاميذه أو فرغ من دروسه يذهب بالطلبة إلى معاناة الغرس - على عادة أشياخه- يريهم كيف يصنعون, ولم يكن الفأس والقفة يفارقانه. كما اشتغل التغرغرتي أيضا بجمع الكتب والتأليف, فترك خزانة كتب لازال منها بقية في يد حفدته.
د- مؤلفـــاتــه:
كان الشيخ عبد الرحمن التغرغرتي محدثا مؤرخا مربيا, ذا همة عالية إذ ترك لنا كتبا لازالت كلها مخطوطة مع الأسف. وقد كان العلامة عبد الحي الكتاني أول من أشار إلى حاشية للتغرغرتي على البخاري, لكن الفضل الأكبر يعود للعلامة محمد المختار السوسي الذي كان قد زار المدرسة التغرغرتية ووقف بنفسه على كتب التغرغرتي بخط يده عند حفدته, ثم أحصى منها تسعة كتب. ونحن نحقق في هذا المبحث خبر تلك الكتب كتابا كتابا, والحمد لله فقد تيسر لنا الوقوف على اثنين منها.
1- كتاب فرع الإرشاد.
وهومختصر من كتاب إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري للقسطلاني. أوله: "الحمد الله الذي أورث أسرار كتابه خذي" . قال التغرغرتي: "مختصر من كتاب القسطلاني في أربعة أجزاء تكفي المحدث عن شروح البخاري رواية وضبطا ومعنى". والكتاب لازال بخط مؤلفه بخزانة مدرسة إيمي نوداي التي يشرف عليها الفقيه الشيخ الطيب بن محمد بن أحمد بن العلامة عبد الرحمن التغرغرتي .
2- مختصر من شرح النووي على صحيح مسلم.
وهو لازال مخطوطا في سفرين بخط مؤلفه. أوله: "الحمد لله الذي اصطفى دره" .
3- كتاب جامع لأحاديث منتقاة من البخاري ومسلم والجامع الصغير.
4- مختصر الجامع الكبير للسيوطي.
5- مختصر من شرح السراج المنير للعزيزي على الجامع الصغير للسيوطي.
أوله: "الحمد لله الذي اخترعه" . قال عنه مؤلفه: "فيه من الأحاديث والمواعظ ما يكفي الواعظ في المجالس" . موجود في سفر بخط مؤلفه في المدرسة المذكورة.
6- مختصر من شرح الفيشي على الأربعين النووية.
وهو كتاب يعد مفقودا اليوم.
7- مختصر من النسيم الرياض في شرح ألفاظ عياض للخفاجي.
ويقع في جزء يغني في مبهم ألفاظ الشفا للقاضي عياض.أوله: "الحمد لله العلي".
8- مختصر من شرح جسوس على الشمائل المحمدية.
هذا ما ألفه في الحديث, وكان له في التاريخ وتراجم العلماء كتاب سميناه:
9- طبقات العلماء والصلحاء.
وهو كتاب نفيس جدا جمع فيه بين اختصار طبقات الشعراني واختصار طبقات الحضيكي , قام التغرغرتي بزيادة مقدمة ثم ذيل ذيلا على طبقات الحضيكي مفيدا ضم ترجمة 28 عالما من معاصريه. واستفاد منه المختار السوسي كثيرا في المعسول.
وله في فن الفلاحة والغراسة أيضا:
10- كتاب في الفلاحة.
تطرق فيه إلى كيفية الفلاحة ببلدته.
كما ألف التغرغرتي كتبا في الوعظ والزهد عرفنا منها خبر ما يأتي:
11- قصيدة بالعجمية (البربرية) مختصرة من الإحياء للغزالي ومن كتب الإمام زروق.
قال المؤلف: "ذكرت وبينت فيها: مكائد إبليس وتلبيسه على العامة وأهل الأوراد, والمجالس والمرابطين والعلماء, وما فيه نجاتهم. وفيها صفاء لمن علت نفسه" .
12- قصيدة بالعجمية مختصرة من قصيدة خالد بن يحيى وشراحها.
قال المؤلف: "فيها ما يزيد في الإيمان وطاعة الله ورسوله, وثواب أجر العاملين في أكثر أعمالهم في العادات."
13- كتاب مفتاح البركات.
الكتاب ذكره التغرغرتي بنفسه في كتابه في طبقات العلماء والصلحاء, فقال: "منها – يعني كتبه- جزء صغير من كتاب البركة للإمام الحبشي, يغني كتب العادات العبادات." فقد أشار المؤلف في مفتاح البركات إلى أنه اعتمد على مصادر أساسية من أهمها كتاب البركة فقال: "وبعد, فهذا كتاب يحتاج إليه متعاطي الأسباب ليكون على بصيرة في أمره ويؤجر في حركاته وسكناته ومكاسبه على ما دونه ابن عطاء الله في كتاب التنوير , وجمال الدين محمد بن عبد الرحمن الحبيشي في كتاب البركات وغيرهما من الأئمة المقتدى بهم في العادات والعبادات, والمنجيات والمهلكات, رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقد جمعت فيه من نفائس الفوائد الموافقة للسنة ما يغني عن الذي ابتدعته المبتدعة من طلب الرزق بالعزائم, واستعانة الجن, وطلب الدفائن, ونحوه مما ليس في كتاب ولا سنة, ولا مروي عن أحد من السلف الصالح. جمعته لنفسي ولإخواني في الله رجاء من الله الغفران ودعاء الإخوان وسميته مفتاح البركات."توفي التغرغرتي عام 1278هـ وترك وراءه مدرسة زاخرة وتراثا ثريا يحتاج لمن ينفض عنه غبار الإهمال والنسيان خاصة كتابه هذا, فالحق أنه كتاب دعوة صريحة للكد والعمل ونبذ للخمول والكسل وبيان ما يساعد على رفع معنويات العامل ويطرح البركة في رزقه فالكتاب دليل على أن الربانيين من العلماء ما كانوا كسالى بل هم من ربوا أجيالا من المسلمين على حب العمل وكسب الرزق الحلال والابتعاد عن الشعوذة والطمع في الكنوز والسعي لتحصيلها عن طريق الاستعانة بالجن وغير ذلك من الأمور المحضورة شرعا, وما أحوج الأمة إلى إحياء مثل هذه الأدبيات كهذا الكتاب والتي من شأنها إنعاش شعور المسلمين بضرورة النمو والرقي بالعمل الدؤوب. فكتاب التغرغرتي على صغر حجمه كثير الفوائد ومصادره مهمة فهو يحمل في طياته الدلائل على أن الدين الإسلامي لم يكن ولن يكون يوما أفيونا للشعوب.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.