أقبلت الامتحانات فما هو المنبغي على طالب العلم فعله في هذه الأيام ؟
الجواب :
أما بالنسبة لما يوصى به طلاب العلم :
فأولاً : إخلاص العمل لوجه الله وإرادة ما عند الله ، فإن الله يأجر الإنسان على قدر نيته ، فلا يغلب طالب العلم نية الدنيا على الآخرة .
الأمر الثاني الذي يوصى به طالب العلم : الاعتماد على الله وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أن تتوكل على الله فلا تعتمد على ذكائك ولا على فهمك ولا على حفظك ولا على تحصيلك ولكن توكل على الله ، فإن الله قادر على أن يترك الإنسان وهو على أكمل ما يكون من الذكاء والحفظ حتى يدخل إلى اختباره فينسيه جميع ما حفظ ، والله على كل شيء قدير ، وربما يبتليه بمرض في بطنه أو رأسه أو جسمه فيصبح في شتات من أمره لا يستطيع أن يبلغ ما يريد ، فنحن تحت رحمة الله ، ولذلك من سعادة المؤمن دائماً إذا أردت أن تنظر إلى توفيقك الله لك في الأعمال فلا تستفتح عملاً إلا وأنت تعلق على حول الله وقوته ، وكان من دعاء النبي المأثور : (( يا حي يا قيوم ، برحمتك أستغيث ، أصلح لي شأني كله )) سبحانه فلا يصلح الشؤون إلا هو سبحانه (( أصلح لي شأني كله ، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين )) لا تكلني إلى الحفظ ولا إلى الفهم ولا إلى الذكاء ولكن على الله وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وقال الله في كتابه : وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ أيام الاختبارات أيام صعبة وفيها هموم وغموم فالإنسان يذهب هذه الهموم والغموم بالاعتماد على الله والتوكل على الله وحسن الظن بالله .
الأمر الثالث : ينبغي على طلاب العلم أن يتراحموا ، وأن يكون بينهم ما ينبغي أن يكون بين طلاب العلم بالبعد عن الأنانية والبخل بالخير على إخوانه ، فإن احتاج أخوك إلى شرح مسألة أو كتاب أو ملخص فأعطه وإياك وما يسوله الشيطان ويقول : هذا مهمل وهذا متكاسل ، لا ، من الآن تعود على الإيثار ، فلربما كانت عنده ظروف أو كانت عنده أمور ، أعطه ملخصك وانصحه ، فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يبخل على الناس وطالب العلم الذي يبخل اليوم سيبخل غداً ، والذي فيه الأنانية اليوم فيه الأنانية غداً ، فينبغي على طالب العلم أن يوطن نفسه على الإيثار وحب الخير للناس ، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه والعلم رحم بين أهله ، فإن احتاج أخوك إلى مساعدة إلى شرح مسألة فلا تبخل ، فإن الله في عون العبد ما كان في عون أخيه .
الأمر الرابع : البعد عن المحرمات : الغش في الاختبار ، كذلك من الأمور التي يحرم ؛ لأن الغش في الاختبار يعتبر كبيرة من الكبائر ولاشك ؛ لأن النبي قال : (( من غشنا فليس منا )) ولأنه يفضي إلى استباحة الأمور المحرمة ؛ لأن الإنسان ينال شهادة مزورة فهو ليس بأهل لهذه الشهادة ، بل قال بعض العلماء : يشتبه في رزقه إلا أن يتوب فيتوب الله عليه ، ولذلك ينظر فإن الإنسان إذا نال الشهادة بالزور وبالغش- والعياذ بالله- محق الله أقل ما يكون يمحق الله بركة ماله ، ولذلك تجده يأخذ من المال الكثير وليست فيه بركة ، ولو تاب ؛ لتاب الله عليه ولكن يصلح من حاله .
الأمر الخامس الذي ينبه عليه : تعظيم شعائر الله ، فإن الطلاب في الاختبارات ربما يرمون الأوراق وربما يقطعون أوراق القرآن والمصاحف ، وربما يمتهنون بعض الكتب ، بعض الطلاب-أصلحهم الله- يفعلون هذا ، فينبغي التناصح في هذا الأمر ، لا يجوز امتهان كتاب الله ، ولا تمزيق أوراق المصحف ، وكذلك لا يجوز امتهانها بوضعها في الطرقات والوطء عليها بالأقدام ، ولذلك يخشى على الإنسان إذا رمى بورقة فاستخف بها فوطئ عليها أحد أن يكون عليه وزره ؛ لأنه هو السبب ، والتسبب في الأشياء يوجب ضمانها ما نشأ عنها ، فلذلك من يتسبب في امتهان كتبه وأوراقه بمجرد أن ينتهي من اختباره يرمي بها هنا وهناك أو يضعها في مكان تعبث بها الرياح ، فهذا لا يجوز فينبغي التناصح في هذا الأمر.
كذلك - أيضاً - أوصي بوصية ينبغي التنبه لها : وهي حقوق الأبناء في مثل هذه الأيام ، فهي كلمة للآباء والأمهات أن يتقوا الله في الأبناء والبنات ، فإن أيام الاختبار أيام عصيبة يكون فيها الطلاب في هم وغم فينبغي الرفق بهم والتوسعة عليهم ، وإعانتهم وتيسير الأمور لهم ، وتقوية صلتهم بالله ، وغير ذلك من الأمور التي ينبغي أن يسديها الوالدان إلى الولد في مثل هذه الأمور أو مثل هذه المواقف ، وينبغي القيام بالواجب والمسؤولية ، بعض الآباء لا يهمه أن يضبط ابنه العلم أو لا يضبطه ، والله سائله عن ضبط ابنك للعلم ؛ لأن تعلم الابن ومعرفته بأمور دينه وما يتصل بها من الأمور التي يحتاجها لحياته أمر مطلوب ، فينبغي شحذ همم الأبناء والبنات وإعانتهم ومراجعتهم وتيسير الأمور التي تعينهم على الخير وبلوغهم لأفضل الغايات لأن هذا من النصيحة ، فإن من نصحك لولدك قيامك عليه على هذا الوجه الذي يرضي الله .
والكلمة الأخيرة إلى من ابتلاه الله بالتدريس : فأسأل الله العظيم أن يشكر سعيكم ، وأن يعظم أجركم ، وأن يجزيكم على أبناء المسلمين وبناتهم كل خير ، فنعم ما يصنعه المعلم من كلمات طيبة وقد انتهى الآن نصف العام وولى ، فأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل ، فلا يعلم مقدار ما يبذله المعلم والموجه لمن يعلمه إلا الله ، فالله أعلم كم تمر عليه من ساعات هم وغم ولو كان يُعَلِّمُ شيئاً من أمور الدنيا ، فإن المسلمين بحاجة إلى طبيب ، وبحاجة إلى مهندس ، بحاجة إلى كل من يسد ثغور الإسلام ولو كانت في أمور الدنيا ما لم تكن محرمة ، فالمعلم بقيامه بهذه المسؤولية على خير وهو مأجور عند الله ، فنسأل الله أن يتقبل منا ومنكم .
والوصية التي يوصون بها : الرفق بالطلاب ، وإحسان الظن بهم ، وعدم التشويش عليهم ، وعدم التضييق عليهم ؛ فإن النبي قال : (( اللهم من ولي من أمور أمتي شيئًا فرفق بهم فاللهم ارفق به ، ومن ولي من أمور أمتي شيئًا فشق عليهم فاللهم اشقق عليه )) بعض المدرسين يأتي بأسئلة تعجيزية ، وبعضهم يحاول أن يضيق على الطلاب ، وكأن الاختبار شيءٌ من المنافسة والأذية والإضرار ، وهذا لا يجوز ، فإن النبي يقول : (( لا ضرر ولا ضرار )) . رفقًا رفقًا بأبناء المسلمين وبناتهم ، ولنتق الله في هذا الابن الذي يأتيك موتر الأعصاب شارد الذهن مهمومًا مغمومًا مكروبًا ، ولربما يسهر ليله ويتعب نفسه ، فينبغي الرفق بمثل هؤلاء خاصة وأنهم ذرية ضعيفة ، فإن الله سمى الأطفال خاصة صغار السن سماهم ذرية ضعيفة ، فمثل هؤلاء يرفق بهم وعدم التشويش عليهم ، وأيضًا عدم سبهم وشتمهم واحتقارهم . بعض المعلمين إذا رأى التقصير من الطالب سبه وشتمه وأهانه بل ربما ضيق عليه ، ربما يخرج هذا الطالب بهمّ وغم يبقى معه دهره كله ، ولربما يصاب بمرض في نفسه أو في عقله ، وهذا لا يجوز لا ينبغي هذا ، هؤلاء أمانة والله سائلنا عنهم ، فينبغي الرفق بهم والإحسان إليهم وأخذهم بالتي هي أحسن ، وإذا كنت في المدرسة ورأيت من يشدد فذكره بالله وذكره أن حوله بحول الله وأن قوته بقوة الله ، ولذلك لما ضرب أبو مسعود- وأرضاه- أغضبه غلامه وهو يملكه ملك اليمين ، قال : أغضبني فضربته ضرباً شديداً فسمعت صوتاً من ورائي لم أستطع أن أتبينه من شدة الغضب ، فالتفت فإذا رسول الله فقال لي : (( اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام )) . اعلم أبا مسعود أن الله قادر عليك ، اتق الله في هذا الضعيف ، فلذلك ينبغي أن يتقي الله الإنسان في أبناء المسلمين وبناتهم ، هؤلاء أمانة ينبغي أن نعيش نفسياتهم والضيق الذي هم فيه والكرب ، فإن الله يرحم من عباده الرحماء ، وفي الحديث : (( من لا يَرحم لا يُرحم )) نعم ، لا نسوي بين الخامل وبين المجد ، يستطيع المدرس الموفق الناجح أن يعطي كل ذي حق حقه ، وأن يزن بالقسطاس المستقيم هذا لاشك ، لكن بطريقة ليس فيها إضرار بأمثال هؤلاء الضعفة ،ينبغي الإحسان إليهم .
أيضًا الشدة المبالغة فيها تنفر ولو كان المعلم يدرس أفضل العلوم ، وأفضلها وأحسنها فإنها تنفر ، ولربما يكره بعض الطلاب كتاب الله -والعياذ بالله- لصغرهم وجهلهم بسبب الأذية والإضرار ، ينبغي تهيئة ما يعين الطلاب على بلوغ هذه الغايات الطيبة
.
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا وإياكم من امتحان الآخرة ، فينبغي علينا أن نتذكر في مثل هذه المواقف حينما يدخل الطالب إلى الاختبار وقد هيئت له الأمور فكيف إذا قدم على الله في يوم تشخص فيه الأبصار ، ولاشك أن الإنسان الموفق من فكرة إلى فكرة ومن عبرة إلى عبرة ، فاختبار الدنيا يذكر باختبار الآخرة ، ويا للعجب أن تجد الآباء والأمهات مشفقين على الأبناء والبنات وهم يذهبون إلى الاختبارات والأكف ترفع بالدعوات ولا يبالي الأب بابنه حينما يصير إلى الله-- في الامتحان الأكبر ، ومن منا سأل الله لنفسه وأولاده أن يجيره الله من عذاب الآخرة ، فإن الامتحان كل الامتحان الآخرة هنا إذا لم ينجح ينجح في دور ثان ، ولكن هناك إذا فرق بين الأب وابنه فراقًا لا لقاء بعده أبدًا فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ
ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا من هول يوم الوعيد ، وأن يؤمننا من سطوة ذلك اليوم الشديد ، إنه ولي ذلك والقادر عليه ، وأن يتقبل منا ومنكم صالح العمل إنه ولي ذلك والقادر عليه
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ


فضيلة الشيخ : كما تعلمون فإن الامتحانات قد قرب موعدها فهلا تفضلتم بوصية في ذلك . والله يرعاكم ؟
الجواب :
أما الوصية الأولى فأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله ، ومن اتقى الله جعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، أصلح له أمور دينه ودنياه، وانتهت أموره إلى خير وما خرج الإنسان بشيء أحب إلى الله ولا أكرم عليه من تقواه –سبحانه- ؛ لأنها قائمة على أساس الـديـن ، وهـو إخلاص العمل لله قال-تعالى- : وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى .
والوصية الثانية: فأوصي إخواني طلاب العلم أن ينتبهوا للحقوق والواجبات، ومن أعظم هذه الحقوق إرادة وجه الله فيما يطلبون من العلم، فإن العلم لا يراد للدنيا، وإنما يراد لوجه الله، فيخلص الإنسان لوجه الله وما ينال من فضل الدنيا يجعله تبعاً لا أساساً . ومن الحقوق الواجبة: حقوق النفس، فبعض طلاب العلم يسهرون ويحمّلون النفس ما لا تطيق، فتجده يسهر إلى ساعات متأخرة من الليل، فربما تفوته صلاة الفجر، وكذلك أيضا ربما يصاب بمرض أو يضنى جسمه، فقد قال-عليه الصلاة والسلام- : (( إن المنبتّ لا ظهرا أبقى ولا أرضاً انقطع )) فكم من أناس حمّلوا أنفسهم ما لا تطيق وخرجت أجسامهم بالأسقام والآلام ولم يظفروا بما يطلبون، فالمنبغي على الإنسان أن يتقي الله في نفسه؛ قال : (( إن لنفسك عليك حقاًّ )) . فطالب العلم الموفّق يجعل وقتاً لنومه، ووقتاً لراحته، ووقتاً لاستجمامه، ووقتاً لمذاكرته ومراجعته، فإذا أعطى النفس حقوقها؛ فإنها بإذن الله تستجيب له وتعينه على الخير الذي يطلبه .
الأمر الثالث الذي أوصي به: حقوق إخوانك من طلاب العلم، ينبغي أن لا نجعل الاختبار وسيلة للتنافس غير المحمود، بل ينبغي عليك أن تكون سمح النفس، منشرح الصدر، تحب لإخوانك مثل ما تحب لنفسك، بل تحب لهم أكثر مما تحب لنفسك، فالاختبارات هذه كما هي امتحان للدنيا امتحان للآخرة، فإياك إياك أن تدخل في قلبك كراهية الخير لإخوانك، فإن جاءك أخوك يحتاج إلى إعانة، يحتاج إلى شرح يحتاج إلى مساعدة، سألك عن مسألة أو تعلم أن هذا شيء مهم يحتاج إلى تنبيه؛ نبهته عليه كل ذلك حتى تتعود الإيثار، وتتعود مكارم الأخلاق وتحمل نفسك على محاسنها، وتبتعد عن الأمور التي تغضب الله التي منها الحسد ومنها كراهية الخير للمسلمين وكلما كان الإنسان يستجمع في نفسه حب الخير للعباد كان أقرب للفضل في الدنيا والآخرة، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي : (( أن رجلاً مر على غصن شوك في الطريق، فقال: والله لأنحيَنّ هذا عن طريق المسلمين لا يؤذيهم، فزحزحه، فغفر الله له ذنوبه )) . يقول العلماء إن هذا الرجل لما جاء إلى الغصن يعني غصن الشوك إذا جئت تقارنه ببعض الحسنات قد يكون يسيرا أمامه، لكن الرجل قال : (( لأنحينّ عن طريق المسلمين لا يؤذيهم )) فكانت حسنته ليست على رجل ولا على رجلين ولكن على أمّة فلما كان هدفه وباعثه أنه غار على المسلمين، لا يحب الأذية لهم ولا يحب الإضرار بهم؛ هذا هو سبب المغفرة ، رحم المسلمين ف، فلما كان في النفس هذا المعنى، وكان في القلب هذا الشعور؛ كان له من الله من رحمته ما لم يخطر له على بال، في رواية : (( فزحزحه عن الطريق فزحزحه الله عن نار جهنم )) .
الإنسان كلما كان نقيّ الصدر سليم الصدر؛ نال الخير، وأظهر الله سلامة صدره في فلتات لسانه وتصرفاته و أفعاله، وكلما تعوّد كراهية الخير للناس، وكراهية الفضل لهم حرّمه الله من الفضل؛ ولذلك حُرم الناس -نسأل الله السلامة والعافية- كثيراً من الخير بسبب ما في القلوب؛ كما قال الله-تعالى- : إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ فإذا وجدت الإنسان حريصا على حب الخير للناس، حريصا على نفعه، وطالب العلم من اليوم في مواطن الاختبارات ومواطن التنافس تجده سخي النفس، سمح النفس، يبذل ويعطي ويعين تجده غدا أحرى بإمامة الناس، ودلالتهم على الخير، ونشر الخير بينهم؛ لأنه عود نفسه على ما فيه خير دينه ودنياه وآخرته، فيحرص طالب العلم على أنه يبذل الخير لإخوانه، وأنه يعينهم ويكون هناك المعاني الإسلامية الكريمة من الإيثار والحب والتصافي والتواد.
وكذلك أيضاً مما يوصى به طلاب العلم أيام الاختبارات أن يحافظوا على ذكر الله ، فإن الإنسان كلما عظم عليه الهم والغم ؛ جعل الله تفريج الهم والغم مقرونا بذكره ؛ فقال : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ فوالله، لا تزال القلوب في قلق وهم ونكد ونصب وتعب إلا إذا ذكرت ربها، والتجأت إلى الله خالقها فأثنت عليه بما هو أهله، فمجّدته وعظّمته وذكّرته، ومن ذكر الله ؛ ذكره ، ومن ذكره الله فلا تخشى عليه الضيعة ، ولا تخشى عليه الفوات ، وهو أمره إلى حسن العاقبة وحسن المآل أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا فأولياء الله الذين هم على طاعته، والاستقامة على دينه، يذكرونه خاصة في مواطن الشدة، فإن الله يثبت قلوبهم، ويجعل أمورهم إلى خير.
فبعض طلاب العلم إذا جاءت الاختبارات يقصر في الصلوات، فيتأخر عن الصلاة مع الجماعة، ولا يأتيها إلا عن دبر، وكذلك أيضا ربما إذا فرغ من الصلاة قام على عجالة، فلا يذكر الله، ولا يحافظ على السنة، بالعكس أشد ما تكون حاجة في مواطن الكرب، وعود نفسك كلما ضاقت عليك أمور الدنيا وكلما عظمت عليك همومها وغمومها أن تتعوّد ذكر الله، وتجعل صلاتك وذكرك وإنابتك لله أكثر وأعظم في حال الشدة والبلاء فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا أي فهلا إذا جاء البأس وجاء الخطب كانت الضراعة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ فالإنسان يحرص على أنه يستديم ذكر الله وأيام الاختبارات تكون أحرى بالمحافظة على الصلوات وشهودها مع الجماعة، والمحافظة على ذكر الله والثناء على الله بما هو أهله، ولا تكون سبباً لما هو خلاف ذلك، فإذا تعوّد طالب العلم من الآن أنه إذا ضاق عليه الأمر؛ حافظ على صلواته، وحافظ على ذكر ربه؛ استقامت له أمور دينه ودنياه وآخرته، والعكس بالعكس، فمن كان قليل الذكر لله، قليل الالتجاء إلى الله، يضيّع الصلوات ويتهاون بها في مثل هذه المواقف؛ فإنه -والعياذ بالله- إذا أصابته نكبات الدنيا؛ تشتت أمره، وضاع حاله-نسأل الله السلامة والعافية- ؛ لأنه حرم أساس فلاحه وصلاحه في الدنيا والآخرة وهو ذكر الله . فينبغي لطلاب العلم أن يحرصوا على هذا، وأذكر ذات مرة عن قصة لأحد الفضلاء من الدعاة إلى الله أنه دخل على رجل غني ثري في أمر ما من الأمور، وكانت عنده مصيبة في ماله، وهذا الرجل أوتي من المال شيئاً كثيراً، فقال دخلت عليه، فلما حضرت الصلاة وهو يراجع معه القضية، قال فلما حضرت الصلاة وأذّن أذان المغرب، قلت له : نريد أن نصلي، قال : أي صلاة ؟! -نسأل الله السلامة والعافية- فقال: أي صلاة؟! قال: نريد أن نصلي وكان رجلاً موفقاً ديناً صالحاً أحسبه ولا أزكيه على الله ومن الدعاة، قال: لا . لا يمكن أنا أقول لك كلمة واحدة حتى نصلي، فإذا صلينا يكون خير، فقال : أي صلاة؟! نريد أولا أن تحل لنا هذا الأمر ثم نرجع إلى الصلاة، قال: أبداً، لن يكون حتى تصلي، قال: والله، قام معي وهو لا يعرف كيف يتوضأ -نسأل الله السلامة والعافية- مشغول في دنياه، مشغول في ماله، رجل في المال من أخمص قدميه إلى شعرة رأسه، قال: فإذا به يتعلم كيف يتوضأ، وعمره فوق الخمسين سنة-نسأل الله السلامة والعافية- قال: فعلّمته الوضوء فذكر الله ونزل معي إلى المسجد، فصلى، قال: فلما صلينا، وإذا بالوجه غير الوجه، وإذا بالنفس غير النفس، قال : والله ، خرجت خارج المسجد أنتظره يخرج، وإذا بالرجل جالس يذكر الله ، فعجبت من أمره، قال: انتظرت ، انتظرت أن يخرج حتى إني استعجلت في أذكاري أنتظره أن يخرج، قال: ما خرج، وإذا بالرجل جالس حتى مللت، يقول: فدخلت عليه وقلت: يا فلان، قال: لقد وجدت راحة ما وجدتها في عمري، لا يمكن أن أخرج من المسجد حتى أصلي العشاء. قال: فجلس وجلست معه نذكر الله ، ونتذاكر ما فيه الخير، من كلمة إلى كلمة، فأذّن بصلاة العشاء، وأقيم لصلاة العشاء، وصلى معي العشاء، ورجع إلى بيته منشرحاً قال غداً تأتيني -إن شاء الله- بعد العصر، قال فلما اتصلت إليه من الغد إذا بزوجته تقول: ماذا فعلتم بفلان؟ الليل كله وهو يصلي ويذكر الله ؟! يقول : شعرت بسعادة، يقول ما أريد أن تحل مشكلتي ، هذا الذي أبحث عنه ، الذي أبحث عنه ذكر الله ، ما وجدته في مالي، ما وجدته في ثرائي ، ما وجدته فيما أنا فيه ، يقول سبحان العظيم مضيت بعد العصر فإذا بفترة قليلة جلست حلّت المشكلة، وانتهى الأمر الذي كان عائقا له، وهو يحسب له الحساب الأكبر، ولكن بذكر الله ، ومن كان مع الله؛ كان الله معه، ولو جلسنا نذكر في هذا؛ فإنه كثير من قليل مما يقع ، فإن الله -I- مع عبده ، وإذا ذكر العبد ربه كان الله معه، - نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجهه الكريم ، أن يذيقنا حلاوة ذكره ولذة مناجاته ، والإنابة إلى وجهه ، إنه ولي ذلك والقادر عليه - .