أقوال العلماء في تفسير قوله تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات )
( سبب نزولها )
عن ابن مسعود أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى رسول الله فذكر ذلك له فأنزلت عليه وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين قال الرجل ألي هذه قال لمن عمل بها من أمتي ، وفي لفظ فقال : رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة قال بل للناس كافة " . أخرجه البخاري رقم ( 4410 ) 4 / 1727، ورقم ( 503 ) 1 / 196، ومسلم ( 2763 ) 4 / 2115 – 2116 .
قال ابن الجوزي في قوله تعالى : " إن الحسنات يذهبن السيئات " المراد بالحسنات قولان :
أحدهما أنها الصلوات الخمس قاله ابن مسعود وابن عباس وابن المسيب ومسروق ومجاهد القرظي والضحاك والمقاتلان ابن سليمان وابن حيان .
والثاني أنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر رواه منصور عن مجاهد والأول أصح لأن الجمهور عليه وفيه حديث مسند عن رسول الله رواه عثمان بن عفان عن رسول الله أنه توضأ وقال من توضأ وضوئي هذا ثم صلى الظهر غفر له ما كان بينها وبين صلاة الصبح ، ومن صلى العصر غفر له ما بينها وبين صلاة الظهر ومن صلى المغرب غفر له ما بينها وبين صلاة العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها ويبن صلاة المغرب ثم لعله أن يبيت ليلته يتمرغ ثم إن قام فتوضأ وصلى الصبح غفر له ما بينه وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات ، فأما السيئات المذكورة هاهنا فقال المفسرون هي : الصغائر من الذنوب وقد روى معاذ بن جبل قال قلت يا رسول الله أوصني قال اتق الله حيثما كنت قال قلت زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها قلت زدني قال خالق الناس بخلق حسن .
زاد المسير في علم التفسير 4 / 168- 169 .
قال ابن العربي : عند قوله : " إن الحسنات يذهبن السيئات "
قال ابن المسيب ومجاهد وعطاء هي : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ، وقال جماعة هي الصلوات الخمس وبه قال مالك وعليه يدل أول الآية في ذكر الصلاة فعليه يرجع آخرها وعليه يدل الحديث الصحيح الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت المقتلة وروي ما اجتنبت الكبائر وكل ذلك في الصحيح ، وقد روي أن النبي أعرض عنه وأقيمت صلاة العصر فلما فرغ منها نزل عليه جبريل بالآية فدعاه فقال له أشهدت معنا الصلاة قال نعم قال اذهب فإنها كفارة لما فعلت وروي أن النبي  لما تلا هذه الآية قال له : قم فصل أربع ركعات والله أعلم .
أحكام القرآن لابن العربي 3 / 29 – 30 .
قال الألوسي عند قوله تعالى : " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل " أمر بإقامة الصلاة المفروضة على ما علمت وقد ذكروا أن الصلاة معراج المؤمن وفي الأخبار ما يدل على علو شأنها والأمر غني عن البيان إن الحسنات يذهبن السيئات قال الواسطي أنوار الطاعات تذهب بظلم المعاصي وقال يحيى بن معاذ إن الله سبحانه لم يرض للمؤمن بالذنب حتى ستر ولم يرض بالستر حتى غفر ولم يرض بالغفران حتى بدل فقال سبحانه إن الحسنات يذهبن السيآت وقال تعالى فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ذلك الذي ذكر من إقامة الصلاة في الأوقات المشار إليها وإذهاب الحسنات السيآت ذكرى للذاكرين تذكير لمن يذكر حاله عند الحضور مع الله تعالى في الصفاء والجمعية والأنس والذوق واصبر بالله سبحانه في الاستقامة ومع الله تعالى بالحضور في الصلاة وعدم الركون إلى الغير إن الله لا يضيع أجر المحسنين الذين يشاهدونه في حال القيام بالحقوق .
روح المعاني للألوسي 12 / 168 – 169.
قال ابن تيمية : " قال بعض السلف : كان داود بعد التوبة خيراً منه قبل الخطيئة فمن قضي له بالتوبة كان كما قال سعيد بن جبير أن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار وإن العبد ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة وذلك أنه يعمل الحسنة فتكون نصب عينه ويعجب بها ويعمل السيئة فتكون نصب عينه فيستغفر الله ويتوب إليه منها وقد ثبت في الصحيح عن النبي أنه قال : الاعمال بالخواتيم والمؤمن إذا فعل سيئة فان عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب ، أن يتوب فيتوب الله عليه فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له ، أو يستغفر فيغفر له ، أو يعمل حسنات تمحوها فان الحسنات يذهبن السيئات ، أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له حياً وميتاً أو يهدون له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به ، أو يشفع فيه نبيه محمد  ، أو يبتليه الله تعالى في الدنيا بمصائب تكفر عنه ، أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه ، أو يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفر عنه ، أو يرحمه ارحم الراحمين ، فمن أخطأته هذه العشرة فلا يلومن الا نفسه كما قال تعالى فيما يروي عنه رسوله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن الا نفسه " .
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 10 / 45 .
قال ابن تيمية : إن الله قد بين بنصوص معروفة إن الحسنات يذهبن السيئات وأن من يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وأن مصائب الدنيا تكفر الذنوب وأنه يقبل شفاعة النبي  في أهل الكبائر وأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء كما بين أن الصدقة يبطلها المن والأذى وأن الربا يبطل العمل وأنه إنما يتقبل الله من المتقين أي في ذلك العمل ونحو ذلك فجعل السيئات ما يوجب رفع عقابها كما جعل للحسنات ما قد يبطل ثوابها لكن ليس شيء يبطل جميع السيئات إلا التوبة كما أنه ليس شيء يبطل جميع الحسنات الا الردة . مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 12 / 483.




وقال ابن جزي عند قوله تعالى : " وأقم الصلاة " الآية يراد بها الصلوات المفروضة فالطرف الأول الصبح والطرف الثاني الظهر والعصر والزلف من الليل المغرب والعشاء إن الحسنات يذهبن السيئات لفظه عام وخصصه أهل التأويل بأن الحسنات الصلوات الخمس ويمكن أن يكون ذلك على وجه التمثيل روى أن رجلا قبل امرأة ثم ندم فذكر ذلك للنبي وصلى معه الصلاة فنزلت الآية فقال النبي أين السائل فقال ها أنذا فقال قد غفر لك فقال الرجل ألي خاصة أو للمسلمين عامة فقال بل للمسلمين عامة والآية على هذا مدنية وقيل إن الآية كانت قبل ذلك ذكرها النبي للرجل مستدلا بها فالآية على هذا مكية كسائر السورة وإنما تذهب الحسنات عند الجمهور الصغائر إذا اجتنبت الكبائر ذلك إشارة إلى الصلوات أو إلى كل ما تقدم من وعظ ووعد ووعيد " .
التسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي 2 / 113 .
قال ابن تيمية : " لفظ الحسنات والسيئات فى كتاب الله يتناول هذا وهذا قال الله تعالى عن المنافقين إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً وقال تعالى إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون وقال تعالى وبلوناهم بالحسنات و السيئات لعلهم يرجعون وقال تعالى : " وإذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها وان تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور " و قال تعالى في حق الكفار المتطيرين بموسى ومن معه فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه و إن تصبهم سيئة يطيروا بموسى و من معه ذكر هذا بعد قوله و لقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون ، وأما الأعمال المأمور بها والمنهي عنها ففي مثل قوله تعالى من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها و قوله تعالى إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين وقوله تعالى فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً وهنا قال ما أصابك من حسنة فمن الله و ما أصابك من سيئة فمن نفسك و لم يقل وما فعلت و ما كسبت كما قال وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم و قال تعالى فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم و قال تعالى قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين و نحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا و قال تعالى و لا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قربياً من دارهم و قال تعالى فأصابتكم مصيبة الموت وقال تعالى وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله و إنا إليه راجعون فلهذا كان قول ما أصابك من حسنة و من سيئة متناول لما يصيب الإنسان و يأتيه من النعم التى تسره و من المصائب التى تسوءه فالآية متناولة لهذا قطعا وكذلك قال عامة المفسرين
قال أبو العالية إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله قال هذه في السراء وان تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قال وهذه فى الضراء ، وقال السدي إن تصبهم حسنة قالوا و الحسنة الخصب ينتج خيولهم وأنعامهم و مواشيهم ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان قالوا هذه من عند الله وان تصبهم سيئة قالوا والسيئة الضرر فى أموالهم تشاؤماً بمحمد  قالوا هذه من عندك يقولون بتركنا ديننا واتباعنا محمداً  أصابنا هذا البلاء فأنزل الله قل كل من عند الله الحسنة والسيئة فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا قال القرآن وقال الوالبي عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال ما فتح الله عليك يوم بدر وكذلك قال الضحاك وقال الوالبي أيضاً عن ابن عباس من حسنة قال ما أصاب من الغنيمة والفتح فمن الله قال والسيئة ما أصابه يوم أحد إذ شج في وجهه وكسرت رباعيته وقال أما الحسنة فأنعم الله بها عليك وأما السيئة فابتلاك الله بها وروى أيضاً عن حجاج عن عطية عن ابن عباس ما أصابك من حسنة فمن الله قال هذا يوم بدر وما أصابك من سيئة فمن نفسك قال هذا يوم أحد يقول ما كان من نكبة فمن ذنبك و أنا قدرت ذلك عليك وكذلك روى ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبى صالح فمن نفسك قال فبذنبك وأنا قدرتها عليك روى هذه الآثار ابن أبي حاتم و غيره ، وروى أيضا عن مطرف بن عبد الله بن الشخير قال ما تريدون من القدر أما تكفيكم هذه الآية التى فى سورة النساء إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله و إن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك أي من نفسك و الله ما وكلوا إلى القدر و قد أمروا به و إليه يصيرون وكذلك فى تفسير أبى صالح عن ابن عباس ان تصبهم حسنة الخصب والمطر وإن تصبهم سيئة الجدب والبلاء ، وقال ابن قتيبة ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك قال الحسنة النعمة و السيئة البلية ، وقد ذكر أبو الفرج فى قوله ما أصابك من حسنة ومن سيئة ثلاثة أقوال : أحدهما أن الحسنة ما فتح الله عليهم يوم بدر والسيئة ما أصابهم يوم أحد قال رواه بن أبى طلحة و هو الوالبى عن ابن عباس قال والثاني : الحسنة الطاعة والسيئة المعصية قاله أبو العالية ، والثالث الحسنة النعمة والسيئة البلية قاله ابن منبه قال و عن أبى العالية نحوه و هو أصح ، قلت هذا هو القول المعروف بالاسناد عن أبي العالية كما تقدم من تفسيره المعروف الذي يروى عنه هو وغيره ومن طريق أبى جعفر الداري عن الربيع بن أنس عنه و أمثاله ، وأما الثاني فهو لم يذكر إسناده ولكن ينقل من كتب المفسرين الذين يذكرون أقوال السلف بلا إسناد وكثير منها ضعيف بل كذب لا يثبت عمن نقل عنه وعامة المفسرين المتأخرين أيضا يفسرونه على مثل أقوال السلف و طائفة منهم تحملها على الطاعة والمعصية ، فأما الصنف الأول فهي تتناوله قطعاً كما يدل عليه لفظها وسياقها ومعناها وأقوال السلف ، وأما المعنى الثاني فليس مراداً دون الأول قطعاً ولكن قد يقال إنه مراد مع الأول باعتبار أن ما يهديه الله إليه من الطاعة هو نعمة في حقه من الله أصابته وما يقع منه من المعصية هو سيئة أصابته ونفسه التى عملت السيئة وإذا كان الجزاء من نفسه فالعمل الذي أوجب الجزاء أولى أن يكون من نفسه فلا منافاة أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء من نفسه مع أن الجميع مقدر كما تقدم وقد روى عن مجاهد عن ابن عباس أنه كان يقرأ فمن نفسك وأنا قدرتها عليك " .
مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 14 / 234 – 239 .
قال الفخر الرازي عند قوله تعالى : " إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ " يدل على أن الحسنة إنما كانت مذهبة للسيئة لكونها حسنة على ما ثبت في أصول الفقه فوجب بحكم هذا الإيماء أن تكون كل حسنة مذهبة لكل سيئة ترك العمل به في حق الحسنات الصادرة من الكفار فإنها لا تذهب سيئاتهم فيبقى معمولاً به في الباقي وثالثها قوله تعالى مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا . ثم إنه تعالى زاد على العشرة فقال كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ ثم زاد عليه فقال وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء . وأما في جانب السيئة فقال وَمَن جَاء بِالسَّيّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وهذا في غاية الدلالة على أن جانب الحسنة راجع عند الله تعالى على جانب السيئة ورابعها أنه تعالى قال في آية الوعد في سورة النساء وَالَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ فقوله وَعْدَ اللَّهِ حَقّا إنما ذكره للتأكيد ولم يقل في شيء من المواضع وعيد الله حقاً ، أما قوله تعالى مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ الآية يتناول الوعد والوعيد و خامسها قوله تعالى وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً وَمَن يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . والاستغفار طلب المغفرة وهو غير التوبة فصرح ههنا بأنه سواء تاب أو لم يتب فإذا استغفر غفر الله له ولم يقل ومن يكسب إثماً فإنه يجد الله معذباً معاقباً بل قال فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ فدل هذا على أن جانب الحسنة راجح ونظيره قوله تعالى إِنْ أَحْسَنتُمْ ، أَحْسَنتُمْ لأنفسكم وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا. ولم يقل وإن أسأتم ، أسأتم لها فكأنها تعالى أظهر إحسانه بأن أعاده مرتين وستر عليه إساءته بأن لم يذكرها إلا مرة واحدة وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنة راجح و سادسها أنا قد دللنا على أن قوله تعالى وَيَغْفِرُ مَا دُونَ لِمَن يَشَاء . لا يتناول إلا العفو عن صاحب الكبيرة ثم إنه تعالى أعاد هذه الآية في السورة الواحدة مرتين والإعادة لا تحسن إلا للتأكيد ولم يذكر شيئاً من آيات الوعيد على وجه الإعادة بلفظ واحد لا في سورة واحدة ولا في سورتين فدل على أن عناية الله بجانب الوعد على الحسنات والعفو عن السيئات أتم وسابعها أن عمومات الوعد والوعيد لما تعارضت فلا بد من صرف التأويل إلى أحد الجانبين وصرف التأويل إلى الوعيد أحسن من صرفه إلى الوعد لأن العفو عن الوعيد مستحسن في العرف وإهمال الوعد مستقبح في العرف فكان صرف التأويل إلى الوعيد أولى من صرفه إلى الوعد و ثامنها أن القرآن مملوء من كونه تعالى غافراً غفوراً غفاراً وأن له الغفران والمغفرة وأنه تعالى رحيم كريم وأن له العفو والإحسان والفضل والإفضال والأخبار الدالة على هذه الأشياء قد بلغت مبلغ التواتر وكل ذلك مما يؤكد جانب الوعد وليس في القرآن ما يدل على أنه تعالى بعيد عن الرحمة والكرم والعفو وكل ذلك يوجب رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد وتاسعها أن هذا الإنسان أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر بل أتى بالشر الذي هو في طبقة القبائح ليس في الغاية والسيد الذي له عبد ثم أتى عبده بأعظم الطاعات وأتى بمعصية متوسطة فلو رجع المولى تلك المعصية المتوسطة على الطاعة العظيمة لعد ذلك السيد لئيماً مؤذياً فكذا ههنا فلما لم يجز ذلك على الله ثبت أن الرجحان لجانب الوعد وعاشرها قال يحيى بن معاذ الرازي إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة ا إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي وإلا فالكفر أعظم من الإيمانا فإن يكن كذلك فلا أقل من رجاء العفو وهو كلام حسن الحادي عشر أنا قد بينا بالدليل أن قوله وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة فلو لم تحمله على الكبيرة قبل التوبة لزم تعطيل الآية أما لو خصصنا عمومات الوعيد بمن يستحلها لم يلزم منه إلا تخصيص العموم ومعلوم أن التخصيص أهون من التعطيل قالت المعتزلة ترجيح جانب الوعيد أولى من وجوه أولها هو أن الأمة اتفقت على أن الفاسق يلعن ويحد على سبيل التنكيل والعذاب وأنه أهل الخزي وذلك يدل على أنه مستحق للعقاب وإذا كان مستحقاً للعقاب استحال أن يبقى في تلك الحالة مستحقاً للثواب وإذا ثبت هذا كان جانب الوعيد راجحاً على جانب الوعد " .
التفسير الكبير للفخر الرازي 3 / 145 .
قال الفخر الرازي : المسألة الأولى ذكروا في الحسنة والسيئة وجوهاً الأول قال المفسرون كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم قال تعالى وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء فعند هذا قال اليهود والمنافقون ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم فقوله تعالى وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا هذا من عند الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد وهذا كقوله تعالى فَإِذَا جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَاذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ " وعن قوم صالح " قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ "
القول الثاني المراد من الحسنة النصر على الاعداء والغنيمة ومن السيئة القتل والهزيمة قال القاضي والقول الأول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله وأقول القول كما قال على مذهبه أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره .
المسألة الثانية : اعلم أن السيئة تقع على البلية والمعصية والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " وقال إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ " إذا عرفت هذا فنقول قوله وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يفيد العموم في كل الحسنات وكذلك قوله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ يفيد العموم في كل السيئات ثم قال بعد ذلك قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ اللَّهِ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله ولما ثبت بما ذكرنا أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله وهو المطلوب ، فان قيل المراد ههنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية ويدل عليه وجوه الأول اتفاق الكل على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما الثاني أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني إنما يقال أصبتها وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة الثالث لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة وههنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة فيمتنع كون الطاعة مرادة ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معاً ، فالجواب عن الأول أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ والجواب عن الثاني أنه يصح أن يقال أصابني توفيق من الله وعون من الله وأصابه خذلان من الله ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة ومن الخذلان تلك المعصية ، والجواب عن الثالث أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك فزال السؤال فثبت أن ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته وإما ممكن لذاته والواجب لذاته واحد وهو الله والممكن لذاته كل ما سواه فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع وحينئذ يلزم نفي الصانع وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر فإذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستنداً إلى الله وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات فان الحكم لاستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى وهو قوله قُلْ كُلٌّ مّنْ عِندِ اللَّهِ .