بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



في رحاب آية .... يوم الحساب


يقول الحق سبحانه في سورة غافر: “هُوَ الذِي يُرِيكُمْ آياتهِ وَيُنَزلُ لَكُم منَ السمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكرُ إِلا مَن يُنِيبُ. فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. رَفِيعُ الدرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الروحَ مِنْ أمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاقِ. يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لمَنِ الْملْكُ الْيَوْمَ لِلهِ الْوَاحِدِ الْقَهارِ. الْيَوْمَ تُجْزَى كُل نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِن اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ”.


والمقصود بقوله : “هو الذي يريكم آياته” الدلائل الدالة على وحدانيته وقدرته، كخلقه الشمس والقمر والليل والنهار، والبحار والأنهار، والسماء والأرض، والمطر والرعد، والنجوم والرياح، والأشجار الكبيرة والصغيرة، إلى غير ذلك من آياته التي لا تحصى في هذا الوجود.

أي: هو سبحانه الذي يريكم آياته الدالة على وحدانيته وقدرته لتزدادوا أيها المؤمنون إيمانا على إيمانكم وثباتا على ثباتكم ويقينا على يقينكم، بأن المستحق للعبادة والطاعة هو الله الواحد القهار.

والمراد بالرزق في قوله: “وينزل لكم من السماء رزقا” الأمطار التي تنزل من السماء على الأرض فتحييها بعد موتها بأن تحولها من أرض جدباء يابسة إلى أرض خضراء بشتى الزروع والثمار. وأطلق سبحانه على المطر رزقا، لأنه سبب فيه.

إخلاص العبادة



وقوله تعالى: “وما يتذكر إلا من ينيب” بيان لمن هو أهل للانتفاع بهذه الآيات، أي: وما يتذكر وينتفع بهذه الآيات إلا من يرجع عن المعصية إلى الطاعة وعن الكفر إلى الإيمان وعن العناد والجحود، إلى التفكر والتدبر بقلب سليم.

فقوله “ينيب” من الإنابة، ومعناها الرجوع عن الكفر والمعاصي إلى الإيمان والطاعة.

وقد أخذ العلماء من هذه الآية الكريمة، وجوب إخلاص العبادة لله تعالى ووجوب الإكثار من التضرع إليه بالدعاء.

ثم يذكر سبحانه بعد ذلك من صفاته العظمى، ما يزيد المؤمنين في إخلاص العبادة له فيقول: “رفيع الدرجات ذو العرش..” هو تعالى وحده صاحب الرفعة والمقام العالي، وهو وحده صاحب العرش العظيم، الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا هو.

والمراد بالروح في قوله تعالى: “يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده” الوحي الذي يوحي به على أنبيائه، وأمين هذا الوحي جبريل .

وسمي الوحي روحا، لأن الأرواح تحيا به، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء وقوله تعالى: “لينذر يوم التلاق” بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره سبحانه من عباده لإلقاء الوحي عليه.

اليوم العصيب



والمراد بيوم التلاق: يوم القيامة، وسمي بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون، والمؤمنون والكافرون، والظالمون والمظلومون الكل يتلاقى في ساحة المحشر ليقضي الله تعالى بقضائه العادل.

أي: يلقي سبحانه بوحيه على أنبيائه، لينذروا الناس ويحذروهم من سوء العذاب يوم القيامة، إذا ما استمروا في كفرهم وعصيانهم لخالقهم.

ثم صور سبحانه أحوال الناس في هذا اليوم العصيب فقال: “يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء”.

وقوله تعالى: “لمن الملك اليوم لله الواحد القهار”، أي: ينادي الله تعالى في المخلوقات في ذلك اليوم لمن الملك في هذا اليوم الهائل الشديد؟ ثم يجيب سبحانه عن هذا السؤال بقوله: “لله الواحد القهار”.

وعن ابن مسعود قال: يحشر الناس على أرض بيضاء مثل الفضة، ولم يعص الله عليها، فيأمر مناديا ينادي: “لمن الملك اليوم” فيقول العباد مؤمنهم وكافرهم: “لله الواحد القهار” فيقول المؤمنون هذا الجواب سرورا وتلذذا، ويقوله الكافرون غما وانقيادا وخضوعا.

وبعد أن قرر سبحانه أن الملك في هذا اليوم له وحده اتبع ذلك ببيان ما يحدث في هذا اليوم فقال: “اليوم تجزى كل نفس بما كسبت”. ومعنى “إن الله سريع الحساب” أنه سبحانه لا يحتاج إلى تفكير عند محاسبته لخلقه، بل هو سبحانه قد أحاط بكل شيء علما، كما قال تعالى: “عالم الغيب، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين”.