منطلقات التجديد في تفسير الإمام محمد عبده


مصطفى محمد الحسن / صحيفة عكاظ ـ الخميس ـ 13 / 1 / 1428هـ

تحدثت في مقالة سابقة عن رحلة الشيخ رشيد رضا إلى حكيمي الشرق جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وما زلت أحاول تقليب أفكار مقدمة تفسير المنار الذي طارت شهرته في الآفاق وما زال الناس يحاكمون أفكاره بعد وفاة صاحبه بأكثر من مئة عام..

يعنيني في هذه المقالة أن أوضح النظرة المتميزة والفكرة الجديدة التي جعلت تفسير المنار يتبوأ هذه المكانة العالية حيث صار قبلة الناقدين لفترة سالفة، ومايزال الطامحون للتجديد يتوقون لبداية استئنافية يرتقون بها عودة إلى الوراء مئة عام بعد النكسة العقلية أواسط القرن العشرين.

كان الإمام ينظر إلى القرآن الكريم بوصفه كتاب هداية، فالمقصود الأسمى من تلاوته وحفظه وتدبره وتفسيره هو الوصول إلى هدايته، وطالما أن القرآن قد تكفل بإصلاح حال العرب الأوائل فلسنا بالطبع أسوأ حالاً منهم، فلابد إذن أن نجد الحلّ لأمتنا وواقعنا من خلال فهم القرآن، ومعنى الهداية: الطريق الموصل إلى الهدف، فلابد أن تستدل بالقرآن على طريق الخلاص، ثم نظر الإمام إلى المكتبة التفسيرية، فإذا أكثرها تعالج التفسير من وجهة علمية محددة، فبعضها نحوية وبعضها بيانية وأخرى عقدية وفقهية وأثرية وهكذا، لذلك قرّر ابتداءً أن هذه التفاسير خرجت عن مقصودها أي (الهداية القرآنية)، يقول «وقد عرفتَ أن الإكثار في مقصد خاص من هذه المقاصد يخرج بالكثيرين عن المقصود من الكتاب الإلهي ويذهب بهم في مذاهب تنسيهم معناه الحقيقي»(1)، ولم يكتف الإمام بعمومية قولنا (الهداية القرآنية)، فهذا المصطلح إن لم تتضح صورته في ذهن المفسّر صار أشبه بالشعارات المرفوعة، لذلك أوضح مراده منها، فعامة الناس يصلون إلى هذه الهداية من خلال بيان إجمالي يتشرب فيه القلب عظمة الله وتنزيهه، وتنصرف به النفس عن الشرّ وتنجذب إلى الخير، وهذه متيسرة لكل فرد من المسلمين.

أما المرتبة العليا والتي يطمح إليها المتدبر لآي القرآن، فلا تتم إلا بأمور رأسها فهم حقائق الألفاظ المجردة، ومعرفة الأساليب القرآنية أي علمي المعاني والبيان، ومراده من هذا أن القرآن الكريم لا يمكن أن تثار معانيه وتقلب أفكاره إلا بإتقان القالب الذي نزل فيه وهو اللغة العربية، ثم بعد ذلك لا بد من العلم بأحوال البشر، أي العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع والتاريخ والسياسة والحضارة، يقول الإمام «أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسّر قوله تعالى كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرّقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أم ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم»(2)، ثم العلم بوجه هداية البشر بمعنى أن العرب كانوا في مستوى معيّن من السلبية والإيجابية فلا بد على المفسِّر أن يحدد هذا المستوى ثم ينظر كيف عالج القرآن هذه الحالة، وكيف تعامل معها، وما الذي قدّمه على غيره، وما الذي تركه لشؤون الناس، ولا يكفي أن نعمّم فنقول: كان الناس على باطل فجاء القرآن فنقلهم من الظلمات إلى النور، وينبني عليه العلم بسيرة النبي .

بعد هذا التفصيل في نظرة الإمام التفسيرية بقي أن يبيّن لنا رأيه في بعض القضايا المهمة، أولها التفسير بالمأثور، إننا نعلم أن أعلى مراتب التفسير تفسير القرآن بالقرآن ثم تفسير القرآن بالسنة.. هكذا نصّ العلماء، وهذه إشكالية تتكرر، ذلك أن تنظير بعض القضايا لا يمكن لأحد أن يعترض عليه، لكنها لا تصمد في الميدان العملي، من ذلك هذه المقولة، لم يحدثنا الإمام عن تفسير القرآن بالقرآن، ولكنه أبدى رأيه في الروايات المأثورة عن النبي والصحابة والتابعين، فالرواية الصحيحة المرفوعة لا يقدم عليها شيء، ولكن الصحيح من الروايات المأثورة قليل جدا، وأكثره قد سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب، وليس هذا ادعاء من الإمام فانظر إلى الروايات التفسيرية المرفوعة الصحيحة تجدها قلة قليلة، بينما لا تكاد تجد آية في كتب التفسير المأثور إلا وتحتها جمع من الروايات، يقول الإمام «وغرضنا من هذا كله أن أكثر ما روي في التفسير المأثور حجاب على القرآن وشاغل لتاليه عن مقاصده العالية المزكية للأنفس المنورة للعقول، فالمفضلون للتفسير المأثور لهم شغل عن مقاصد القرآن بكثرة الروايات التي لا قيمة لها سنداً ولا موضوعاً»(3).

بقيت قضية أخرى هي الآراء التفسيرية، فما هو الموقف منها؟ يجمل الإمام رأيه في مسألة مهمة ولكن بوضوح شديد حول النص وفهمه، فهو يعتقد بكل وضوح بخلود النص وتاريخية الفهم، فالقرآن الكريم خاطب الله به من كان في زمن التنزيل لا لخصوصية في أشخاصهم، بل لأنهم من أفراد النوع الإنساني، فالنص القرآني مستعلٍ على كل زمان ومكان، أما أفهام الناس للمراد من آياته فليس فيها حجة على أحد، بل التكليف الواقع على كل مسلم عالماً كان أو جاهلاً أن يتوجه إلى القرآن بعقله وقلبه متأملاً متدبراً كلٌ بحسب طاقته، وللإمام رأي فريد في حكم التقليد مبثوث في ثنايا تفسيره(4)، وينبني على ذلك أن يَعبُر المفسر أربعة عشر قرناً من التراث التفسيري مستفيداً منه غير متقيد ولا متأثر، ليصل إلى النص القرآني مباشرة فيتعامل معه تعامل المجتهد، وليس هذا بالأمر السهل، وقد كان الإمام مستشعراً هذا، يقول «التكلم في تفسير القرآن ليس بالأمر السهل، وربما كان من أصعب الأمور وأهمها، وما كل صعب يترك، ولذلك لا ينبغي أن يمتنع الناس عن طلبه»(5)، وكأني بالإمام بين خيارين اثنين:

الأول: أن يتعامل مع آراء المفسرين لأنهم أقرب إلى عصر التنزيل، وأعلم باللغة وأساليبها، ولكنهم أبناء عصرهم، فصلة أقوالهم بعصرنا معدومة.

الثاني: أن يتعامل مع النص مباشرة، وهو أقل من سلفه علماً، ولكنه أعلم بظروف عصره وحاجات وقته.

إن الخطأ الناتج ممن جمع بين العلم النظري والواقعي وإن قل حظه في الأول أهون من الخطأ الناتج من عالم نحرير أفتى لزمانه فاستدعيناه لعصرنا، فلا بد إذن من العمل بنظرية (العبور إلى النص)، ولعلّ هذا هو السبب الرئيس في كثير مما يؤخذ على الإمام من خطأ وزلل، وإني لا أتجاهل أخطاءه ولا أبالغ في الاعتذار له، ولكنه يمثل الخطوة الأولى لهذه المنهجية في عصرنا الحاضر، لذلك رأينا في منهجية تلميذه رشيد رضا تغييرا كثيراً للمنهج، ولو أن الأمر استمر في تفاعله الزمني وتدافعه الفكري لاستوى الأمر على سوقه وآتى أكله، فممّا يميز مدرسة المنار التفسيرية سعة الأفق والقدرة على البحث الحر وتبني أيّ من الآراء بغض النظر عن مصدرها التاريخي، لذلك شهدنا التغير في الرؤية والفتوى والممارسة من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا إلى بقية رجالات المنار أمثال المراغي الكبير والمراغي الصغير ومحمود شلتوت، جميعاً.