السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد فهذه سيرة عالم مغربي ضيعه أهل زمانه حتى اختطفه منهم الموت في العام الماضي.
هذه السيرة وصلتني اليوم بخط ابنته وهي متخصصة في علل الحديث وحاصلة على الدكتوراه في ذلك من جامعة محمد الخامس بالرباط, فلها جزيل الشكر مني على استجابتها لطلبي في موافاتي بترجمة والدها.
قالت الدكتورة الفاضلة:[[ أبو علي الحسين بن محمد بن إبراهيم العيسي المَتُوكِّي ثم الشيَظمي نزيل مدينة الدار البيضاء, الفقيه المقاوم العالم العابد الزاهد, وحيد عصره وفائق أقرانه في شجاعته وصبره وزهده في الدنيا وغيرته على دين الإسلام ومصلحة المسلمين.
ولد بقبيلة امتوكة(الأمازغية] ناحية مراكش سنة 1338هـ/ 1920م.
حفظ القرآن الكريم على يد والده محمد بن إبراهيم العيسي ثم على ثلة من الشيوخ في منطقة الشياظمة وأسكتان بجنوب المغرب.
درس علوم القرآن والفقه والنحو والبلاغة والشعر وشيئا من المنطق والفلك..
دفعه قهر الاستعمار الفرنسي إلى ترك مسقط رأسه والصعود شمالا ليستقر بالدار البيضاء وعمره لم يتجاوز 24عاما, ورجع في غير ما مرة إلى أسكتان وامتوكة للتدريس بها فحاضر أكثر من سنتين ليعود للدار البضاء وينضم إلى المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.
سجن في بلدة سطات بإقليم الشاوية ثم ما لبث أن فر من السجن وقد حرر معه ثلة من أعضاء المقاومة من سجن الاستعمار.
عرف بشجاعته وبسالته وشدة بأسه على المستعمر الفرنسي, وظل مستخفيا لا يعرفه أحد ولا حتى غالب أتباعه. وعندما حصل المغرب على استقلاله سنة 1956م ألقى سلاح المقاومة وحمل عدة البناء, فتولى قيادة جهة مراكش إمنتانوت مدة سنتين من 1958م إلى سنة 1960.

ثم رجع إلى الدار البيضاء ليستقر بها مع أهله وأبنائه ويشتغل في تجارة هزيلة للكتب والأدوات المدرسية لاتكفي لسد حاجياتهم الأساسية للعيش الكريم.
إلا أنها كانت بالنسبة له ملاذا يأوي إليه ليعتكف على مطالعة الكتب التي كانت أحب الوظائف إليه, وخاصة مطالعة فقه الإمام ابن حزم الظاهري وكان مناصرا له في آرائه الفقهية.
تلقى وسام العرش من درجة فارس عن أعماله في المقاومة يوم الخميس 18 نونبر سنة 2004م في ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال.

توفي تعالى بعد أن صارع المرض عن عمر يناهز 89سنة قمرية و86 سنة شمسية. وكانت وفاته في مساء يوم الأحد 6 شوال 1427هـ/29 من أكتوبر 2006م ودفن يوم الإثنين بمقبرة الغفران بالدار البيضاء.
غفر الله له وجعل الجنة مثواه]] انتهى ما خطته يد الدكتورة الفاضلة.
وأضيف أنا من جهتي أنني لقيته بمكتبته التي يبيع فيها الأدوات المدرسية وجالسته بها فوجدته شيخا جليل القدر تغلب عليه الدعابة والهزل مع من يرتاح له من زواره وكان بلا ريب يحفظ متونا كثيرة منها الألفية والأجرومية ومختصر خليل وتحفة ابن عاصم والجزرية وغيرها. وكان قد أخبرني بأنه كان هو القارئ لصحيح البخاري على شيخه .
وأنه سمع الطلبة مرارا يغضون من ابن حزم ويقولون: من الحزم ألا تقرأ لابن حزم" فتسائل عمن يكون ابن حزم هذا ولماذا يتحامل عليه هؤلاء المتفقهة. فقيض الله له أن سأل شيخا له وكان فقيها مبرزا قلضيا للقضاة وعلى درجة عالية من العلم عن ابن حزم وما يردده هؤلاء في شأنه, فقال له العالم المذكور: اعلم يا بني أن ابن حزم عالم جهبذ ولايبلغ هؤلاء شأوه مهما تطاولوا وهو سيدهم وضاحد أراجيفهم وهم لن يقدروا على مجابهة عالم مثله وابن حزم محق وهؤلاء المقلدة مخطئون...وطفق يخبرنا عن سيرة ابن حزم ونضاله وزهده في الدنيا بعد الوزارة...
قال أبو علي فما زلت من حين سمعت منه ما سمعت متلهفا لمطالعة كتب ابن حزم ومضت سنون ووقفت على طوق الحمامة وعلى المحلى وغيره فوجدت الرجل فوق ما تخيلت وما وصف لي.
وأنا أقول بأن خزانة كتب هذا الفقيه الذي نترجم له عامرة بالأمات والأصول في التفسير والحديث والسيرة والفقه وأصول الفقه والأدب والشعرمما دل على سعة دائرة هذا الشييخ وذوقه الرفيع ونهمه الشديد في المطالعة والدراسة لاتجد كتابا منها إلا وعليه تعليقاته بخط يده وقد استفاذ منه ومن علمه بعض طلبة العلوم الشرعية نفعه الله بذلك وألحقنا به مسلمين إنه سميع مجيب.