بسم الله الرحمن الرحيم


عن أنسٍ قال : كان ابن رواحة إذا لقي الرجلَ من أصحابه يقول : تعال نؤمن ساعة . وقال صلى الله عليه وسلّم : ( رحم الله ابنَ رواحة إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة) .
.
.

فتعالوا بنا نبحرُ في آياتٍ من سورة الحاقة ؛ لعلنا نزدادُ إيـماناً وتــُـقـى .. لعلنا تدمع أعيننا من خشيةِ ربنا ؛ وقد قال : (حرمت النار على عين دمعت أو بكت من خشية الله وحرمت النار على عين سهرت في سبيل الله ) رواه الإمام أحمد بإسنادٍ صحيح .

قال سيد قطب عن سورة الحاقة : " هذه سورة هائلة رهيبة ; قلَّ أن يتلقاها الحس إلا بهزة عميقة ; وهي منذ افتتاحها إلى ختامها تقرع هذا الحس , وتطالعه بالهول القاصم , والجد الصارم , والمشهد تلو المشهد ... " .

والآن مع الآيات :
قال عزّ وجل : فَإِذَا نُفِخَ فِي الصّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكّتَا دَكّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقّتِ السّمَآءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَىَ أَرْجَآئِهَآ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَىَ مِنكُمْ خَافِيَةٌ

الآيات بصوت القارئ : أحمد سعيد
للاستماع :[rams]http://www.u11p.com/folder2/U11P_QtVSeqa8D7.rm[/rams]

للتحميل :http://www.u11p.com/folder2/U11P_hFZXDSYVa.zip
-------------------
أولاً / إعراب الآيات :
فإذا : فـ : استئنافية . إذا : ظرف لما يُستقبل من الزمن ، متضمن معنى الشرط ، متعلق بـ (وقعت) .
نُفخَ : فعل ماضٍ مبني للمجهول ، مبني على الفتح .
في الصور : في : حرف جر . الصور : اسم مجرور بفي ، وعلامة جره الكسرة . وهما متعلقان بـ (نُفِخَ) .
نفخةٌ : نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة .
واحدة : صفة مرفوعة وعلامة رفعها الضمة .
وحُملت : و : عاطفة . حُملت : فعل مبني للمجهول ، والتاء للتأنيث .
الأرض : نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة .
والجبال : و : عاطفة . الجبال : معطوف على الأرض مرفوع ، وعلامة رفعه الضمة .
فدُكتا : فـ : عاطفة . دُكتا : فعل مبني للمجهول مفتوح ، والتاء للتأنيث ، والألف نائب فاعل .
دكةً : مفعول مطلق منصوب .
واحدة : نعت لـ ( دكة ) منصوب .
فيومئذٍ : فـ : رابطة بين الشرط ( فإذا نُفخَ ) وجوابه ( فيومئذٍ وقعت الواقعة ) . يومئذ : ظرف أضيف إلى مثلهِ ، مفتوح ، في محل نصب .
وقعت : فعل ماض مبني على الفتح ، والتاء للتأنيث .
الواقعة : فاعل مرفوع بالضمة .
وانشقت : فعل ماض مبني على الفتح ، والتاء للتأنيث .
السماء : فاعل مرفوع بالضمة .
فهي : فـ : عاطفة . هي : ضمير منفصل مفتوح ، في محل رفع مبتدأ .
يومئذ : ظرف زمان مضاف إلى مثله ، متعلق بـ (واهية) .
واهية : خبر (هي) ، مرفوع وعلامة رفعه الضمة .
والمَلَك : و : عاطفة أو حالية . المَلَك : مبتدأ .
على أرجائها : شبه جملة من الجار والمجرور ، في محل رفع خبر .
ويحمل : و : عاطفة . يحمل : فعل مضارع مرفوع .
عرش : مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة ، وهو مضاف .
ربك : مضاف إليه مجرور ، وهو مضاف . ك : ضمير متصل في محل جر بالإضافة .
فوقهم : فوق : ظرف منصوب . هـ : ضمير متصل في محل جر بالإضافة . م : للجمع .
يومئذ : سبق إعرابها .
ثمانية : فاعل مرفوع لـ (يحمل) ، وعلامة رفعه الضمة .
يومئذ : سبق إعرابها .
تُعرَضون : فعل مضارع مبني للمجهول ، مرفوع بثبوت النون . والواو : نائب فاعل .
لا تخفى : لا : نافية . تخفى : فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف .
منكم : متعلقان بمحذوف ، حال من (خافية) .
خافية : فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة .
----------------------------
ثانيًا / التفسـيـر والمعاني :
قال ابنُ كثير : يقول تعالى مخبراً عن أهوال يوم القيامة ، وأول ذلك نفخة الفزع ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله , ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين والبعث والنشور وهي هذه النفخة, وقد أكدها ههنا بأنها واحدة ؛ لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ولا يحتاج إلى تكرار ولا تأكيد. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة أي فمدت مد الأديم العكاظي وتبدلت الأرض غير الأرض .

فيومئذ وقعت الواقعة أي قامت القيامة وانشقت السماء فهي يومئذ واهية قال سماك عن شيخ من بني أسد عن علي قال: تنشق السماء من المجرة . وقال ابن جريج: هي كقوله وفتحت السماء فكانت أبواباً وقال ابن عباس: متخرقة والعرش إزاءها .
والملـَك على أرجائها الملك اسم جنس أي : الملائكة على أرجاء السماء ؛ أي حافاتها, وقال الضحاك: أطرافها, وقال الحسن البصري: أبوابها , وقال الربيع بن أنس في قوله: والملك على أرجائها يقول: على ما استدق من السماء ينظرون إلى أهل الأرض .

وقوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية أي يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة, ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العظيم أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء, والله أعلم بالصواب.
وفي حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أوعال . عن عبد الله بن عمرو قال : حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام .
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: كتب إلي أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري, حدثني أبي, حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال رسول الله : «أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمائة عام» وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة, حدثنا يحيى بن المغيرة, حدثنا جرير عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية قال: ثمانية صفوف من الملائكة قال: وروي عن الشعبي وعكرمة والضحاك وابن جريج مثل ذلك , وكذا روى السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: ثمانية صفوف, وكذا روى العوفي عنه .

وقوله تعالى: يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية أي تعرضون على عالم السر والنجوى الذي لا يخفى عليه شيء من أموركم بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر, ولهذا قال تعالى: لا تخفى منكم خافية . قال عمر بن الخطاب : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا , فإنه أخف عليكم في الحساب غداً أن تحاسبوا أنفسكم اليوم وتزينوا للعرض الأكبر يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع, حدثنا علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى قال: قال رسول الله : «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات, فأما عرضتان فجدال ومعاذير, وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» . وعن عبد الله قال: يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: عرضتان معاذير وخصومات, والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله .
------------------
عن أبي موسى الأشعري قال : ينشر الله كنفه يوم القيامة على المؤمنين هكذا قال بيده فوقه فيقول أي ابن آدم هذه حسنة عملتها في مكان كذا وكذا ساعة كذا وكذا وقبلتها منك ثم يسجد المؤمن ثم يقول يا ابن آدم هذه سيئة عملتها يوم كذا وكذا فقد غفرتها لك فيسجد المؤمن فيقول الخلق طوبى لهذا العبد الذي لا يرى في كتابه إلا الحسنات من كثرة ما يسجد فإذا فرغ قال هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه أي أيقنت .

قال سليمان بن أرقم : بلغني ان رسول الله سئل عن " الصور " فقال ( هو قرن من نور فمه أوسع من السماوات ) .

قال ابنُ عطية : انشقاق السماء هو تفطيرها وتمييز بعضها عن بعض ، وذلك هو الوهي الذي ينالها كما يقال في الجدارات البالية المتشققة واهية " والملك " اسم الجنس يريد به الملائكة .
وقال جمهور المفسرين الضمير في " أرجائها " عائد على " السماء " أي الملائكة على نواحيها.
وقال الضحاك وابن جبير الضمير في " أرجائها " عائد على الأرض وإن كان لم يتقدم لها ذكر قريب لأن القصة واللفظ يقتضي إفهام ذلك وفسر هذه الآية بما روي : أن الله تعالى يأمر ملائكة سماء الدنيا فيقفون صفا على حافات الأرض ثم يأمر ملائكة السماء الثانية فيصفون خلفهم ثم كذلك ملائكة كل سماء فكلما فر احد من الجن والإنس وجد الأرض قد أحيط بها قالوا فهذا تفسير هذه الآيات وهو أيضا معنى قوله تعالى " وجاء ربك والملك صفاً صفا " .