لا يخفى على الإخوة ما لكتابي الشاطبي الاعتصام والموافقات من منزلة عند أهل العلم .
وقد ضمّن الإمام كتابيه بحوثاً علمية رصينة ،يدركها كلُّ من طالع الكتابين بله من قرأهما.

ولما فرغت من "الاعتصام" ،وجدت الشاطبي قد أثار في الباب التاسع موضوعاً طريفاً ،وهو يتحدث عن المسألة الثامنة موضوع صفات وعلامات أهل البدع ،فها أنا أطرحه ، لعل أحداً من يبحث في موضوع يلصح بحث ترقية أن يشد من أزره ليقوم به ،حيث قال 2/732 ط.الهلالي:
(المسألة الثامنة : أنه لما تبين أنهم لا يتعينون ، فلهم خواص وعلامات يعرفون بها ،وهي على قسمين : علامات إجمالية ،وعلامات تفصيلية.
فأما الإجمالية ،فثلاث :
إحداها :... ثم سردها ، ثم قال :
وأما العلامة التفصيلية في كل فرقة :
فقد نبه عليها ، وأشير إلى جملة منها في الكتاب والسنة .
وفي ظني أن من تأملها في كتاب الله وجدها منبها عليها ومشارا إليها ،ولولا أنا فهمنا من الشرع الستر عليها لكان في الكلام في تعيينها مجال متسع مدلول عليه بالدليل الشرعي وقد كنا هممنا بذلك في ماضي الزمان فغلبنا عليه ما دلنا على أن الأولى خلاف ذلك)انتهى كلامه .

والذي يهمنا هو : البحث عن علامات أها البدع من خلال تأمل الآيات القرآنية من غير تنصيص على أسمائها ؛ لأن هذا فائدة أقل ـ وهو سبب إعراض الشاطبي عنه كما أفهم ـ ..

ولعلي أفتح الباب بهذه الصفة اللازمة لكل مبتدع ، لا يمكنه الانفكاك عنها ،وهي : اتباع الهوى ؛ولذا سمى السلف أهل البدع أهل الأهواء .
ودليل هذه العلامة قوله تعالى : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ [القصص/50]) فلم يجعل القرآن إلا ثمة أمرين : الدليل أو الهوى .

وبالمناسبة ،هذه الآية ليست خاصة بأهل البدع ،بل هي عامة في كل مجادل من المصرين على معاصيهم ،فإن بعضهم يتمحك ،ويتلوى عند نصحه بأنه ليس قصده اتباع هواه ،بل شيء من غلبة النفس ... الخ ،وهي ـ بكل حال ـ لا تخرج عن اتباع الهوى ، إذ لم يجعل القرآن إلا هذه القسمة الثنائية : إما الاستجابة للشرع ،أو اتباع الهوى ،بأي اسم تسمى.
والله الموفق.