من أعظم ماله صلة بالسياق من علوم القرآن والتفسير علم المناسبات .

وقبل أن أبين الصلة بين السياق والمناسبات لابد من وقفة موجزة حول المناسبات:

فعلم المناسبات علم عظيم يثمر ربط كلام الله تعالى بعضه ببعض، ويعين على فهم الآية، ويظهر اتصال السياق بين الآيات، ويكشف عن إعجاز القرآن.

وفائدة علم المناسبات ظاهرة جلية:

قال الزركشي": وفائدته جعل أجزاء الكلام آخذ بعضها بأعناق بعض، فيقوى بذلك الارتباط، ويصير التأليف حاله كحال البناء المحكم المتلائم الأجزاء، وممن أكثر منه الإمام فخر الدين الرازي، وقال في تفسيره: (أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط)، وقال بعض الأئمة: (من محاسن الكلام أن يرتبط بعضه ببعض لئلا يكون منقطعا)، وهذا النوع يهمله بعض المفسرين أو كثير منهم، وفوائده غزيرة، قال القاضي أبو بكر بن العربي: (ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة متسقة المعاني منتظمة المباني علم عظيم لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة ثم فتح الله لنا فيه فلما لم نجد له حملة، ورأينا الخلق بأوصاف البطلة ختمنا عليه، وجعلناه بيننا وبين الله، ورددناه إليه)"([1]).

ومن محاسن المناسبات عموماً أنها تساعد على حسن التفسير، ودقة الفهم. وعدم مراعاة المناسبات يوقع المفسر في الخطأ عند تفسير الآيات إذ يفصل بين الآية والتي قبلها مع ارتباطهما.

واهتمام العلماء والمفسرين بالمناسبات واضح في مؤلفاتهم وتفاسيرهم، فمن المتقدمين:

1- أبو جعفر بن الزبير، أفرده بكتاب أسماه (البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن).

2- البقاعي في (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور)

3- السيوطي في (تناسق الدرر في تناسب الآيات والسور) واختصره في (أسرار التنزيل).

4- الغماري في (جواهر البيان في تناسب سور القرآن)

ومن المعاصرين

5- محمد دراز في (النبأ العظيم).

الصلة بين السياق والمناسبات:
المناسبات جزء أساس في السياق، وذلك أن المناسبات لا تظهر إلا بمعرفة الرابط بينها وهو الغرض، والغرض هو الركن الأساس في السياق، ولهذا فإننا نستطيع القول بأن المناسبات جزء من السياق، وهي تمثل عنصراً أساساً فيه وهو النظم، وذلك أن النظم هو الجامع لبناء الآية وتراكيبها والترابط بين جملها في نظام واحد تحت غرض واحد.

ويقرر هذا المعنى البقاعي الذي يعتبر هو عمدة علم المناسبات:

يقول عن شيخه المغربي المالكي: "الأمر الكلي المفيد لعرفان مناسبات الآيات في جميع القرآن هو أنك تنظر الغرض الذي سيقت له السورة، وتنظر إلى ما يحتاج إليه ذلك الغرض من المقدمات، وتنظر إلى مراتب تلك المقدمات في القرب والبعد من المطلوب.. وإذا فعلته تبين لك - إن شاء الله - وجه النظم مفصلاً بين كل آية وآية في كل سورة"([3]).

ويقول أيضاً وتتوقف الإجادة فيه - أي في علم المناسبات - على: "معرفة مقصود السورة المطلوب ذلك فيها، ويفيد ذلك معرفة المقصود في جميع جملها، فلذلك كان هذا العلم في غاية النفاسة، وكانت نسبته من علم التفسير، نسبة البيان من علم النحو"([4]).

وإذا كانت المناسبات جزءاً من السياق من جهة أنها مبنية على الغرض، فإن لها أثراً ظاهراً في معرفة السياق العام للسورة ومحورها الأساس، وذلك أن تتابع الآيات في السورة يظهر المعنى الجامع لها والرابط بينها وهو السياق العام أو المحور الأساس. فظهر بذلك أن بينهما علاقة مشتركة من هذا الوجه.

ولعلنا نضرب لذلك أمثلة تؤكد ماقررناه.

المثال الأول: في تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً[النساء 40]

قال ابن جرير مبيناً مناسبة الآيات اعتماداً على السياق: "يعني بذلك - جل ثناؤه -وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللّهُ[النساء 39] فإن الله لا يبخس أحداً من خلقه أنفق في سبيله، مما رزقه من ثواب نفقته في الدنيا، ولا من أجرها يوم القيامة.. وإنما اخترنا هذا التأويل لموافقته الأثر عن رسول الله ×، مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته؛ إذ كان سياق الآية التي قبلها، التي حث الله فيها على النفقة في طاعته، وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنفقين في طاعته بقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ الآية [النساء 40]"([5]).

المثال الثاني: في مناسبة قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة 254].

هذه وردت بعد قوله تعالى: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [البقرة 253] ومناسبتها تظهر بالتأمل في السياق فإن ماقبلها وارد في سياق الإخبار عن حتمية الاختلاف والاقتتال الموافق للسنة الربانية والحكمة الإلهية في إرادة ذلك. وذلك يستوجب الإعداد والتهيؤ، لذا أمر بالإنفاق. ويؤيد هذا قوله في ختامها +الْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ" فكأنه قيل: (منهم من آمن ومنهم من كفر.. والكافرون هم الظالمون، فأعدوا لقتالهم وأنفقوا مما رزقناكم في ذلك)

قال أبو حيان : " مناسبة هذه الآية لما قبلها هو أنه لما ذكر أن الله تعالى أراد الاختلاف إلى مؤمن وكافر، وأراد الاقتتال، وأمر به المؤمنين، وكان الجهاد يحتاج صاحبه إلى الإعانة عليه، أمر تعالى بالنفقة من بعض ما رزق، فشمل النفقة في الجهاد"([6]).

فتأمل أثر السياق وهو ذكر القتال في بيان الربط بين الآية وما قبلها مع الاختلاف الظاهر بينهما.

المثال الثالث: في مناسبة قوله تعالى: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى[البقرة 238] .

فقد جاءت هذه الآية في وسط الحديث عن الطلاق والمشكلات الأسرية، وهي تستوقف كل قارئ لها في طلب مناسبتها، وهذا أمر مقصود في غرض الآية، وبالتأمل في السياق تظهر مناسبتها بكل جلاء، وهي متضمنة عدة وجوه في المناسبة منها:

أولاً: أنه لما أطال الحديث في أحكام الأسرة وأحكام النساء خاصة وما يتعلق بهن، وهي موضوعات تصرف هم الإنسان وتشغله عن عبادة ربه وقضاياه الكبرى التي هي عبادة الله تعالى وقضايا الأمة، أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلاة مباشرة لتنتزع نفوس المؤمنين من الانشغال بحقوق الخلق لترفعهم إلى الانشغال بحقوق الحق تعالى ([7]).

قال البيضاوي: "لعل الأمر بها في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها"([8]).

ثانياً: أنه لما كان الحديث في الآيات عن الطلاق والقتال، وهما يمثلان أعظم أوقات الأزمات الداخلية والخارجية، ويحصل بسببهما الهم والقلق، ذكر الله تعالى سبيل الخلاص والخروج من هذه الأزمات والدواء الناجع لها، وهو المحافظة على الصلاة التي هي أعظم ما يسكن النفوس عند القلق ويزيل الهموم ويثبت القلوب.

فانظر إلى أثر السياق في بيان المناسبة، وهذا يؤكد لنا أن المناسبة جزء في السياق؛ إذ أن السياق هو الذي ربط بين الآية وما قبلها وما بعدها.

وكمال أثر السياق في المناسبات يظهر في سياق السورة، وترابط المقاطع والموضوعات فيها وسر الترتيب بينها، وهذا ما يظهر في سياق سورة البقرة بإذن الله تعالى. وقد أجمل ذلك صاحب النبأ العظيم بكلام نفيس ([9]).





--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ((البرهان في علوم القرآن)) (1/36).

([3]) ((نظم الدرر)) (1/18).

([4]) ((نظم الدرر)) (1/5).

([5]) ((جامع البيان)) (4/ 91).

([6]) ((البحر المحيط)) (2/604).

([7]) انظر: ((تفسير المنار)) (2/436).

([8]) ((أنوار التنزيل)) (1/128).

([9]) انظر: ((النبأ العظيم)) (ص204).