3. العدول عن (في) إلى (الباء):

من ذلك قوله تعالى على لسان الملأ من قوم نوح في خطاب نبيهم: قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ * قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [لأعراف: 60-61].

فقد جاء حرف الجر (في) في كلام قوم نوح لنبيهم بقولهم: "إنا لنراك في ضلال مبين"، وهذا الحرف يفيد الظرفية، فكأن الضلال أصبح ظرفاً لـه، وهو مظروف فيه، يحيط به من كل مكان. فردَّ عليهم بقوله: "ليس بي ضلالة"، فعدل في جوابه لهم إلى (الباء)، فلم يوافق جوابه قولهم فيكون (لست في ضلال).

وفي هذا السياق نجد أن جواب نوح ، قد تضمن عدولين، عدولاً نحوياً متمثلاً في العدول عن حرف الجر (في) إلى (الباء)، وعدولاً صرفياً متمثلاً في العدول عن المصدر "ضلال" إلى اسم المرة "ضلالة"، وذلك أن اقتران جوابه بالباء فيه إمعان في نفي لصوق أدنى ضلالة به، فضلاً عن انغماسه في الضلال أصلاً، وهذا يؤكده مجيء اسم المرة "ضلالة".
لذا ناسب مجيء جوابه لهم بالباء عدولاً عن حرف الوعاء "مبالغة في نفي اقترابه من الضلال وتلبسه به"( )، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ [لأعراف: 61].
وهو ما يرد بكثرة في سياق خطاب الأنبياء لأقوامهم من ذلك قول قوم هود لنبيهم:
إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ [الأعراف: 66]، وجاء ردُّه عليهم: قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ [الأعراف: 67].

4. العدول عن (في) إلى (من):

ومنه قولـه تعالى: وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً … وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً [النساء: 5-8].
فقال: ابتداء "وارزقوهم فيها" فأتى بحرف الجر (في) ثم عدل عنه إلى حرف الجر (منه)، فقال: "فارزقوهم منه".
وسر هذا أن الآية الأولى هي خطاب للأولياء في أموال اليتامى بدليل قوله: "وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً، وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم …"، ففي قوله: "فارزقوهم فيها" دعوة إلى استثمار أموال اليتامى وأن ينفق عليهم من أرباح المال لا من أصله، وهو ما أشار إليه الزمخشري بقوله( ): "وارزقوهم فيها" واجعلوها مكاناً لرزقهم بأن تتجروا فيها وتتربحوا حتى يكون نفقتهم من الأرباح لا من صلب المال، فلا يأكلها الإنفاق".
وهذا المعنى ناشئ من تركيب الفعل (فارزقوهم) مع حرف الظرفية (في)، فجعل الأموال ظرفاً للرزق ومكاناً له، في حين عدل عن (في) إلى (من) بعد ذلك في قوله:وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ [النساء: 8]؛ لأن المدفوع لذوي القربى واليتامى والمساكين حال حضورهم القسمة هو من أصل مال التركة، فجاءت (من) التبعيضية للدلالة على إعطائهم من بعض الميراث على سبيل المواساة والإحسان.

5. العدول عن (من) إلى (في):

من ذلك قوله تعالى: "وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ … وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 84-89]. فعدَّى فعل (البعث) بـ (من) في قوله: "يوم نبعث من كل أمة"، ثم عدل عنه إلى (في) بقوله: "يوم نبعث في كل أمة" وهنا ينشأ السؤال الآتي: لماذا لم يطرد السياق فيكون: "يوم نبعث من كل أمة شهيداً، … ويوم نبعث من كل أمة شهيداً عليهم …"؟

أشار السيوطي( ) إلى أن (في) هنا بمعنى (من) فقوله: "في كل أمة"، أي: (من كل أمة)، ويكون قولـه حينئذ: (من أنفسهم) "تكراراً له، ويرى الباحث أن القول بتناوب الحروف خروج عن تذوق البيان، ومعرفة إعجاز القرآن.

والذي يظهر -والله أعلم- أن هذا السياق القرآني يقرر الشهادة على مرحلتين: الأولى: مرحلة بعث الشهداء من أممهم، فمن كل أمة يخرج الله شهيداً منها، وهذه مرحلة بعث وإخراج فقط، ثم تأتي المرحلة الأخرى والأهم، وهي مرحلة إدلاء الشهادة، فيدلي كل شهيد على وجه الخصوص بشهادته على أمته، والشهداء هم الرسل والأنبياء، لذا كانت هذه المرحلة أشد من سابقتها على الشهداء والمشهود عليهم؛ لأنها إدلاء بالشهادة وتقرير بحكم، لذلك ناسب فيها التأكيد والإطناب في تفصيل جنس هؤلاء الشهداء فهم (في كل أمة)، فأفاد حرف الجر (في) الظرفية والمخالطة والانغماس، فكل شهيد من هؤلاء قد خبر قومه وعرفهم وخالطهم فهو منهم، وفيهم قد عاش ودرج، فكانت (في) أدل على هذا المعنى من غيرها.

وأمعن السياق القرآني في تأكيد الشهادة وأنها شهادة إدلاء بقولـه أيضاً: "شهيداً عليهم"، وقولـه أيضاً: "من أنفسهم"، في حين لم يذكر ذلك في الآية السابقة، إذ اكتفى بالقول: "ويوم نبعث من كل أمة شهيداً" فحسب.
ومنه قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل: 10].
وكان يقتضي السياق أن يطرد على نسق واحد فيقول: "ومنه تسميون" لكنه عدل عن (من) إلى (في) لدلالة أوضحها ابن عاشور بقوله( ): "والشّجر: يطلق على النبات ذي الساق الصلبة، ويطلق على مطلق العشب والكلأ تغليباً، وروعي هذا التغليب هنا؛ لأنه غالب مرعى أنعام أهل الحجاز؛ لقلة الكلأ في أرضهم، فهم يرعون الشعاري والغابات، وفي حديث "ضَالَّةُ الإِبلِ تَشْرَبُ الماءَ وترعى الشَّجَرَ حتى يأتيَها ربُّها"( )، ومن الدقائق البلاغية الإتيان بحرف (في) الظرفية، فالإسامة فيه تكون بالأكل منه والأكل مما تحته من العشب".
وقد فهم ابن عاشور هذا المعنى الدقيق لحرف الجر (في) من معرفته بحياة بادية الحجاز التي تنزل فيها القرآن، فجاء المقال موافقاً تمام الموافقة لمقتضى الحال.