قطيعة الرحـم

احذر أخي المسلم قطيعةَ الرحم ؛ فإنَّ قطيعة الرحم ذنبٌ عظيمٌ وجرمٌ جسيم ، يفصم الروابط ، ويقطع الشواجر ، ويشيع العداوة والبغضاء ، ويفكك الأسر .

وقطيعة الرحم أمرٌ مزيل للألفة والمودة ، ومجلبٌ لمزيد من الهم والحزن والغم .

وهي من الأمور التي تفشت في مجتمعات المسلمين لا سيما في هذه الأزمان التي طغت فيها المادة ، وقل فيها التواصي والتزاور فكثير من الناس مقصرون في هذا الواجب وواقعون في معصية قطيعة الرحم ، وقد حذّرنا اللهُ من ذلك أشد التحذير بقوله : (( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ )) [ محمد : 22 ] ، والسبب في إهمال كثير من الناس لصلة أرحامهم هو الجهل بالدين ، وابتعاد الناس عن الهدي النبوي ، فكلما كان الشخص عارفاً بالله كان أخشى لله ، وصلة الرحم من خشية الله ، وقطيعته من معصية الله ، نسأل الله السلامة .
والواصل للأرحام له أجرٌ كبير ، والواصل هو الذي يصل قرابته سواء وصلوه أم قطعوه ؛ ولهذا قال النَّبيُّ : (( ليس الواصلُ بالمكافئ ، ولكنّ الواصلَ الذي إذا قطعت رحمه وَصَلَها ))(1) .

وصلة الأرحام تكون بزيارتهم وتفقدهم ، وتتبع أحوالهم في السراء والضراء ، وتكون الصلة بالمال وبالجاه ، وبمشاركتهم بأفراحهم وبمواساتهم بأتراحهم .
ومن صلة الرحم أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر قال تعالى : (( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ )) [ الشعراء : 214 ] .

وللقطيعة أسباب تحمل عليها منها الجهل ؛ فإنَّ الجهل بفضيلة صلة الأرحام يفوت على المرء فضيلة ذلك ، وكذا الجهل بخطر القطيعة وعظمة إثم القاطع يحمل عليها . وكذلك من أسباب القطيعة : ضعف التقوى ، وقلة الوازع الديني فإذا ضعفت التقوى ، وَرَقَّ الدينُ لم يبال المرء بقطع ما أمر الله به أنْ يوصل ، ولعل من أكثر أسباب القطيعة الكبر ؛ فبعضهم يتكبر على أقاربه حينما يفيء اللهُ عليه بشيءٍ من عرض هذه الدنيا
الفانية ؛ فتوسوس نفس المتكبر أنَّه صاحب الحق ، وأنه أولى بأنْ يزار ويؤتى إليه . ولعل كثيراً من الناس يدفعهم إلى قطيعة الرحم الشح والبخل ، فمن الناس من إذا رزقه الله مالاً أو جاهاً تجده يتهرب من أقاربه لا كبراً عليهم ، وإنما شحاً وبخلاً أنْ يبذل عليهم .

ومن أسباب القطيعة الاشتغال بالدنيا واللهث وراء حطامها ، فلا يجد المنهمك في جمع حطام الدنيا الوقت الكافي لصلة أقاربه .

وربما كان التحاسد والتنافر سبباً في كثير من الأرحام المقطوعة . ثم إنَّ الوشاية والإصغاء إليها تكون في كثير من الأحايين سبباً في قطيعة الرحم ؛ لأنَّ من الناس من دأبه وديدنه إفساد ذات البين فتجده يسعى بين الأحبة لإفساد ذات بينهم .

واحذر أخي المسلم من إشاعة وإظهار العيوب فهو مما حرمه الله وحرمه رسوله قال تعالى : (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا )) [ النور : 19 ] .
قال ابن رجب : (( قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف : اجتهد أنْ تستر العصاة ، فإنَّ ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام ، وأولى الأمور ستر العيوب )) (2) فلهذا كانت إشاعة الفاحشة مقترنة بالتعيير ، وهما من خصال الفجار ؛ لأنَّ الفاجر لا غرض له في زوال المفاسد ولا في اجتناب المؤمن للنقائص والمعايب ، إنما غرضه في مجرد إشاعة العيب في أخيه المؤمن وهتك عرضه ، فهو يعيد ذلك ويبديه ومقصوده تنقص أخيه المؤمن في إظهار عيوبه ومساوئه للناس ، ليدخل عليه الضرر في الدنيا (3) .
واحذر أخي المسلم بإشاعتك الفاحشة أنْ يكون الحامل لك على هذا القوةَ والغلظةَ ومحبةَ إيذاء أخيك المؤمن ، وإدخال الضرر عليه ، وهذه الصفة القبيحة هي صفة إبليس الذي يزين لبني آدم الكفر والفسوق والعصيان ليصيروا بذلك من أهل النيران قال تعالى : (( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً )) [ فاطر : 6 ] .
ولما ركبَ ابن سيرين الدَّيْنُ وحُبس به قال : (( إني لأعرف الذنب الذي حمل عليَّ به الدين ، ما هو ؟ قلت لرجل من أربعين سنة : يا مفلس )) (4).




.............................. ......
(1) أخرجه : البخاري 8/7 ( 5991 ) ، وهو في الأدب المفرد ( 68 ) من حديث عبد الله بن عمرو .
(2) جامع العلوم والحكم 2/292 .
(3) الفرق بين النصيحة والتعيير 18-19 .

(4) أخرجه : أبو نعيم في الحلية 2/271 .