ثانياً: العدول في حروف العطف:

لحروف العطف أهمية كبيرة في أداء وظيفة الربط في الجملة العربية، وتضفي هذه الحروف دلالات خاصة يكشف عنها السياق الواردة فيه، وقد قرر علماء اللغة أن لكل حرف دلالة عامة تختص به.

فقرروا أن حرف (الواو) يرد لمطلق الجمع. يقول سيبويه( ): "قولك: مررتُ بعمروٍ وزيد. وإنما جئت بالواو لتضم الآخر إلى الأول وتجمعهما، وليس فيه دليل على أنَّ أحدهما قبل الآخر".

يقول الرضي في شرح الكافية( ): "فقوله: (فالواو للجمع مطلقاً): معنى المطلق أنه يحتمل أن يكون حصل من كليهما في زمان واحد، وأن يكون حصل من زيد أولاً، وأن يكون حصل من عمرو أولاً، فهذه ثلاثة احتمالات عقلية، لا دليل في الواو على شيء منها، هذا مذهب جميع البصريين والكوفيين".

وذكروا أيضاً أن (الفاء) تفيد الترتيب والتعقيب يقول سيبويه( ) -في معرض التمييز بين (الواو) و(الفاء): "و(الفاء) وهي تضم الشيء إلى الشيء، كما فعلت (الواو) غير أنها تجعل ذلك متسقاً بعضه في إثر بعض، وذلك قولك: مررتُ بعمروٍ فزيدٍ فخالدٍ، وسقط المطر بمكان كذا وكذا، فمكان كذا وكذا، وإنما يقرو( ) أحدهما بعد الآخر".

وأما (ثَمَّ) فقد ذكروا أنها تفيد الترتيب مع التراخي، يقول المرادي( ): "ثم حرف عطف يشرك في الحكم، ويفيد الترتيب بمهلة؛ فإذا قلت: قام زيد ثم عمرو، آذنت بأن الثاني بعد الأول بمهلة".

وقد علل السهيلي دلالة التراخي في (ثم) من دلالة اشتقاقها فقال( ): "لا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في الكلام، فهذه (ثم) حرف عطف، ولفظها كلفظ (الثَّم)، والثَّمُ هو رمُّ الشيء يعضه إلى بعض … وأصله من ثمَمْتُ البيتَ: إذا كانت فيه فُرَج فَسُدَّ بالثَّمَام( ).

وقال الشاعر:
وَأَمَّا الرِّيَاحُ فقد غَادَرَتْ رَواكدَ واستَمْتَعتْ بالثُمام
والمعنى الذي في (ثُمَّ) العاطفة قريب من هذا، لأنه ضمّ الشيء إلى شيء بينهما مهلة، كما أن ثَمَّ البيت: "ضَمُّ بين شيئين بينهما فرجة".

فامتازت (ثم) عن (الواو) بالترتيب والمهلة، وعن (الفاء) بالتراخي في الزمن.

يقول سيبويه -مفرقاً بين هذه الأحرف الثلاثة( ): "فإذا قلت: مررتُ برجل راكب وذاهب، استحقهما؛ لا لأن الركوب قبل الذهاب، ومنه: مررتُّ برجل راكب فذاهب استحقهما، إلا أنه بَيَّنَ أن الذهاب بعد الركوب، وأنه لا مهلة بينهما، وجعله متصلاً به، ومنه: مررتُ برجل راكب ثم ذاهب، فبيَّنَ أن الذهاب بعده، وأن بينهما مهلة وجعله غير متصل به، فصَّيَره على حِدَة".

والذي يهمنا في هذا الموضع هو المخالفة والمغايرة الحاصلة بين حروف العطف في السياق القرآني، والدلالات التي تنتج عن هذا العدول، وسيكون تناولنا للعدول في حروف العطف مقتصراً على أهمها وأكثرها وروداً في التعبير القرآني وهي (الواو) و(الفاء) و(ثم). وذلك لكثرة ورود العدول بين هذه الحروف، مما يدعو ذلك إلى التأمل في أسراره وما يحققه من دلالات تكشف عن جوانب الإعجاز في هذا القرآن.

ويتمثل العدول في هذه الحروف على النحو الآتي:
1- العدول عن (الواو) إلى (الفاء) والعكس:

من ذلك قوله تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً [النازعات: 1-5].

فلقد عدل هذا السياق عن (الواو) في قوله: "والسابحات سبحا" إلى (الفاء) في قولـه: "فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا". ولو اطرد السياق على نمط واحد لكانت "والسابقات سبقاً والمدبرات أمرا".

ويمكننا فهم سر هذا العدول من تعليق الزمخشري على ذلك بقوله( ): "أقسم بطوائف من الملائكة تنزع الأرواح من الأجساد، وبالطوائف التي تنشطها أي: تخرجها من نشط الدلو من البئر إذا أخرجها، وبالطوائف التي تسبح في مضيها، أي: تسرع فتسبق إلى ما أمروا به، فتدبر أمراً من أمور العباد".

فالذي نفهمه من كلام الزمخشري أن الملائكة في اختصاصها ووظائفها على طوائف، فمنها طوائف تنزع الأرواح من الأجساد، وطوائف تخرجها، وأخرى تسبح في مضيها لتنفيذ ما أمرت به، وهذه الأخيرة وقف عندها القرآن بالوصف، فوصفها بأنها تسبح فتسبق فتدبِّر، فهي طائفة توصف بثلاث صفات متتابعة وهي السبح والسبق والتدبير، لذلك عطف بين صفاتها هذه بـ (الفاء)، وعطف بين ذوات هذه الطوائف المختلفة بـ (الواو).

فكانت (الواو) -في هذا السياق- لعطف الذوات و(الفاء) لعطف الصفات. فدل العدول عن (الواو) إلى (الفاء)، أن هذه الطائفة من الملائكة هي طائفة واحدة تتصف بصفات متعدِّدة لا طوائف مختلفة، وإنما دلت (الفاء) هنا على تعاقب هذه الصفات وتتابعها.

وهو ما يرد أيضاً في قوله تعالى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً [المرسلات: 1-5].

إذ جاء العدول عن (الفاء) في قوله تعالى: "فالعاصفات عصفا" إلى (الواو) في قولـه: "والناشرات نشر"؛ ليفرق بين طائفتين من الملائكة، فما قبل (الواو) يمثل طائفة مستقلة في الملائكة مهمتها الإرسال والعصف. وطائفة أخرى جاء ذكرها بعد (الواو) مهمتها النشر والفرق وإلقاء الذكر.

وهو ما أوضحه الزمخشري( ) بقوله: "أقسم سبحانه بطوائف من الملائكة أرسلهن بأوامره فعصفن في مضيهن كما تعصف الرياح تخففاً في امتثال أمره، وبطوائف منهم نشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي، أو نشرن الشرائع في الأرض، أو نشرن النفوس الموتى بالكفر والجهل بما أوحين، ففرقن بين الحق والباطل فألقين ذكراً إلى الأنبياء".

ويزيد الألوسي الأمر إفصاحاً فيقول( ): "وعطف الناشرات على ما قبل (الواو) ظاهر للتغاير بالذات بينهما، وعطف العاصفات على المرسلات والفارقات على الناشرات، وكذا ما بعد (الفاء) لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الذات".
فدل هذا على أن الصفات المعطوفة بـ (الفاء) تكون لموصوف واحد( ).

2- العدول عن (الواو) إلى (ثم) والعكس

من ذلك قوله تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ [الشعراء: 63-66].
فقد جاء السياق على نحو: "وأزلفنا … وأنجينا … ثم أغرقنا"، فعدل عن (الواو) إلى (ثم).

فما دلالة (ثم) هنا، وهل هناك تراخٍ زمني بين إنجاء المولى -عزوجل- موسى ومن معه، وبين إغراق فرعون وقومه، ولماذا لم يقل: "وأغرقنا الآخرين"، كما هو الحال في قولـه تعالى: وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ [البقرة: 50]. فأتى بـ (الواو) في قوله تعالى: "وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ"؟

ويرى الباحث أن سياق المقام هو الذي يقتضي حرف عطف معين لدلالة معينة، فالسياق في سورة الشعراء سياق تدرج في النعم، فالنعمة الحاصلة من إغراق فرعون وجنده أعظم من سابقتها وهي إنجاء الفئة المؤمنة، فأفادت (ثم) التراخي الرتبي لا الزمني، وذلك أن سياق سورة الشعراء يذكر تكبر فرعون وإعراضه وظلمه، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ * فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ [الشعراء: 53-58].

فالسياق مركز على فرعون وجنده، فكانت الإشارة بـ (ثم) في الإغراق للدلالة على عظم هذه النعمة، وإبراز عظم القدرة في أخذ فرعون وجنده، بينما كان السياق في سورة البقرة، سياق تعديد نعم فحسب، فقال: "فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون"، كما أنه ليس لفرعون وجنده ظهور على مسرح الأحداث هناك كما هو الحال في سورة الشعراء، فأدى الاختلاف في المقال إلى اختلاف نظم الكلام تبعاً له.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى -مخاطباً المؤمنين: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ [التوبة: 25].

فقد عدل السياق عن (الواو) إلى (ثم) فقال: "ثم وليتم مدبرين"، ولم يقل: "وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ووليتم مدبرين"؛ ليصور الحالة النفسية التي انتابت المسلمين في حنين عند هزيمتهم، إذ صورت "ثم" شدة وطأة الزمن، واستطالته في ذلك الموقف العصيب الذي أصابتهم فيه الدهشة والحيرة والاضطراب "ثم وليتم مدبرين" ولو أتى (بالواو) لما أفاد تلك الدلالة( ).

ومنه أيضاً في قوله تعالى على لسان نبيه نوح : فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ [يونس: 71].

ونلحظ في هذا السياق القرآني نبرة التحدي ظاهرة بارزة على لسان نبي الله نوح ، في مخاطبة قومه الذين أعرضوا عن دعوة الله -عزوجل- فدعاهم إلى أن يتَّحدوا هم وشركاؤهم ضدَّه للفتك به، وأمهلهم بأن يتدبَّروا أمرهم علانية على الملأ لا غمة فيه، ثم أمهلهم أخرى في إعداد عُددهم وعدَّتهم للفتك به والقضاء عليه. فإذا تسنى لهم ذلك فليقضوا عليه دون أي إنظار منهم له أو إمهال، فدل العدول إلى (الواو) على نفي وجود أدنى زمن للمهلة والإنظار، وفي ذلك إمعان في التحدي لهم وعدم المبالاة بهم، وعظم ثقته بالله -عزوجل- ولو اطرد السياق بـ (ثم) لما كان فيه من الدلالة على ذلك ما ذكر.