[align=center]إذا أراد الله نشر فضيلة ؟![/align]
منذ أن جاء الإسلام وبزغت شمسه في ربوع العالمين ، وأعداؤه يحاربونه ويحاصرونه ويكيدون له ، ويتربصون به الدوائر ، فقد هالهم ما جاء به الإسلام من تعاليم قيمة ، وما أرسى من مبادئ سامية ، مما سارع في انتشاره وعلو سلطانه، وإقبال الناس عليه ، وقوة تمسكهم به ، فجن جنون خصومه ، فتواطئوا على حربه بكل ما يستطيعون ، فما زادهم محاربته إلا خساراً ، ولا الإسلام إلا انتصاراً ، فتحيروا في أمرهم ، وغلت بالحقد قلوبهم ، وهاجت بالحسد نفوسهم، فأمعنوا في ذلك النظر ، وقلبوا في وجوه حربه الفكر ، حتى قال القسيس الأمريكي الحقود :
صمويل زويمر (1): ولتقطع الشجرة بجزء منها (2).
فدفعوا أغراراً من جلدتنا ، يتكلمون بألسنتنا ، ويشوهون ديننا ، لتكون الفتنة أشد وأنكى.

ودخل فريق منهم في الدين كذباً ، واعتنقوا الإسلام زوراً وخديعة ، فولجوا الباب من هذا المسلك الخبيث ، فنفثوا بأساطيرهم على حقائقه ، ليكدروا صفاءه ، ويشوهوا جماله ، متفننين في ذلك بين كذب اختلقوه ، أو مثله من كتبهم المحرفة نقلوه.
وما أشبه الليلة بالبارحة ، فها هو المكر والخداع يأخذ طريقه في حرب الإسلام ، ولكن بثوب جديد وقراءة جديدة للنص الديني ، إنه مسلك التضليل الثقافي ، في خبث ودهاء ، تحت شعار البحث العلمي ، أو السعي وراء الحقيقة ، ويمكن أن نعتبر كلمة مالك بن نبي إشارة إلى هذا إذ يقول :
وينبغي أن ندرك أن التطور الثقافي في العالم الإسلامي يمر بمرحلة خطيرة، إذ تتلقى النهضة الإسلامية كل أفكارها واتجاهاتها الفنية عن الثقافة الغربية ـ وبخاصة عن طريق مصر ـ هذه الأفكار الفنية لا تقتصر على الحياة الفكرية الجديدة التي يتعوَّدها الشباب المسلم شيئاً فشيئاً ، بل إنها تمس أيضاً بطريقة غامضة ، ما يتصل بالفكر وما يتصل بالنفس ، وفي كلمة واحدة ما يتصل بالحياة الروحية ، وإنه لما يثير العجب أن نرى كثيرين من الشباب المسلم المثقف يتلقون اليوم معتقداتهم الدينية ، وأحياناً دوافعهم الروحية نفسها من خلال كتابات المتخصصين الأوربيين .
إن الدراسات الإسلامية التي تظهر في أوربا بأقلام كبار المستشرقين واقع لا جدال فيه ، ولكن هل يمكننا أن نتصور المكانة التي يحتلها هذا الواقع في الحركة الفكرية الحديثة في البلاد الإسلامية (3).

ولعلي لا أجانف الصواب إذا قلت : إن الحظ الأوفر من الشكر يجب أن يتوجه إلى أولئك الذين كانوا السبب الرئيس في وضع كثير من البحوث وتدبيجها ، أقصد أصحاب القراءات المعاصرة للقرآن الكريم ، الذين كتبوا ما بَاعدَهم عن الصواب ، فاضطر ثلة من العلماء إلى البحث والتنقيب في زمن الصمت والسكون، والتقصير في خدمة كتاب الله ، بل ومناظرة هؤلاء ومناصحتهم، طبقاً لقواعد المناظرة العلمية في ضوء ضوابط التفسير ، مع تقديري لجهودهم، ورُبَّ ضارة نافعة.
إن من نعم الله على هذا الدين أن قيَّض له أناساً يهاجمونه ويعارضونه ، ويعلنون عليه حرباً ضروساً لا هوادة فيها بأفكارهم وأقلامهم، ويرصدون لذلك الأموال العظيمة ، والجهود الكبيرة، والهمم العالية، ويجندون لهذه الحرب أفتك ما لديهم من أسلحة فكرية مدمِّرة ، ومادية مبيدة ،ثم ينتظرون انتهاء دور الإسلام في قيادة العالم ، ولكنهم سرعان ما تتجهَّم جباههم ، وتكلح وجوههم ، يوم يرون النار التي أوقدوها على الإسلام ارتدَّت إليهم ، فأحرقت باطلهم ، وكشفت عوارهم ، فما زادت الإسلام إلا انتشاراً حتى كأنهم بذلك إنما يبشرون بالإسلام ليعرف الناس حقيقته فيدخلوا فيه أفواجاً ، ويدير الناس حينئذ ظهورهم للأباطيل حين تحرقها نار الحقيقة، ولا ندري فلربما كانت القراءات المعاصرة للقرآن الكريم نعمة للإسلام لإظهار محاسنه وجواهره، وبضدها تتميز الأشياء، وصدق الله حينما قال :
 بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُون  (4).
ولله درُّ أبي تمام حينما قال (5) :
وإِذا أرادَ اللّهُ نشـرَ فضـيلةٍ طويـتْ أتاحَ لها لسـانَ حسودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورَتْ ما كان يعرفُ طيبُ عرفِ العود
فكان بذلك لهؤلاء يد على الإسلام لا نوفيهم إياها إلا حين ندعوهم إلى ترك ما هم فيه من ضلال وظلام ، والدخول في الإسلام ليختم الله تعالى لهم حياتهم بالسعادة ، وما ذلك على الله بعزيز.
ــــــــــــــــــ
الهوامش :
ـ صمويل زويمر ( 1867 ـ 1952 ) : رئيس المبشرين في الشرق الأوسط ، تولى تحرير مجلة العالم الإسلامي التي أنشأها مع ماكدونلد ، وله مصنفات في العلاقات بين المسيحية وبين الإسلام ، أفقدها بتعصبه واعتسافه وتضليله قيمتها العلمية، منها : يسوع في إحياء الغزالي ، وبلاد العرب منذ الإسلام. انظر : نجيب العقيقي : المستشرقون : 3 / 138 .
2ـ الغارة على العالم الإسلامي (افتراءات المبشرين) ، محب الدين الخطيب، دار الفتح، طبعة القاهرة سنة 1350هـ : 46.
3 ـ انظر : مالك بن نبي : الظاهرة القرآنية : 18 ـ 9.
4 ـ سورة الأنبياء : 18 .
5 ـ انظر : ابن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد : 195.