السلام عليكم و رحمة الله
تلبية لطلب اخي العزيز د. يسري خضر الفاضل ، سأشرع في كتابة سلسة من المقالات للتعريف بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، و دورها في خدمة القرآن الكريم و الدين الإسلامي الحنيف و نشرها للعلم الشرعي و اللغة العربية و محاربتها للطرقية و الصوفية المنحرفة و هذا أول الغيث، وأرجو أن يحدد لي الاخوة الذين يريدون التعليق المحاور التي يتم التركيز عليها و توجيهي وجزاكم الله خيرا:

بسم الله الرحمن الرحيم:

إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ فاطر28.

" إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت، بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد...، في دينها ، في لغتها، وفي أخلاقها، وعنصرها، ، لا تريد أن تندمج ولها وطن معين هو الوطن الجزائري ".

شعب الجزائر مسلـم وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله أو قال مات فقد كذب

بهذا الرد البليغ عبر "ابن باديس" عن موقف الأمة التي ينتمي إليها ضد المحتل الفرنسي، الذي سعى إلى طمس هوية الأمة الإسلامية ، ومحاربة عقيدتها وثقافتها بلا هوادة وبكل وسيلة ممكنة، وتجريد الشعب الجزائري من شخصيته العربية الإسلامية، ودمجه قهرًا في البوتقة الفرنسية، وهدم عقيدة الأمة وقتل روح الجهاد فيها، وتجفيف منابع الثقافة الإسلامية بإغلاق المساجد والزوايا والكتاتيب، وحرق المكتبات، ومصادرة الأوقاف الإسلامية التي كان التعليم يعتمد عليها، ومحاربة اللغة العربية وإحلال الفرنسية محلها لتكون لغة التعليم والثقافة.
لكن الله سبحانه و تعالى قيض لهذه الأرض الطيبة مجموعة من العلماء العاملين من ورثة الأنبياء والمرسلين، والأنبياء والمرسلون لم يتركوا درهما ولا دينارا، ولم يخلفوا وراءهم أموالا طائلة، ولا مناصب زائلة، بل وَرَّثُوا من بعدهم العلم النافع، والخلق الناصع، إذ يخشى اللهَ من عباده العلماءُ، وإن المخلوقات لتستغفر لهم في البر والبحر والسماء، ولكن- لعمر الحق - ليس كل العلماء سواء، فمنهم ظالم لنفسه ولغيره ولأمته، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله..!
لقد أنجبت الجزائر المسلمة واحتضنت عبر العصور علماء ربانيين كانوا- ومازالوا - زينة لها، خلَّدوا ذكرهم - رغم محاولات التعتيم والتجهيل - بمواقفهم الإسلامية الجريئة التي سطروها على صفحات التاريخ برشحهم المعطر بمسك الإخلاص لدين الله ، وبدموعهم التي سالت من مآقيهم فَرَقًا على هذه الأمة ومستقبلها، وبدمائهم الغالية الزكية التي بذلوها في سبيل الله، رَدًّا لطمعِ محتلٍّ غاشم، ودَفْعًا لضررِ عدوانٍ ظالم، و يأتي في طليعة هؤلاء – في الجزائر ( نحسبهم كذلك و لا نزكي مع الله أحد) - رجال '' جمعية العلماء المسلمين الجزائريين '' الذِّين نذروا أنفسهم لخدمة البلاد ونفع العباد، وقاموا بواجبهم تجاه دينهم ووطنهم، لكن للأسف لا يزال تاريخهم مجهولا، لا نعرف عنه الشيء الكثير، إذ أن الفضل يعود – بعد الله سبحانه و تعالى – إليهم في حفظ الهوية الإسلامية للشعب الجزائري و تمسكها بكتاب ربها الذي لا يأتيه الباطل من خلفه و لا من بين يديه و توحيد صفوفه لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الأمة الجزائرية ضده، ونشر العلم بين الناس، و محاربة البدع و الخزعبلات التي عشعشت في العقول، وإعادة الكلمة و الهيبة للعلماء، و ها هو نائب رئيس الجمعية الشيخ الأديب البشير الإبراهيمي يعبر عن كل هذا قائلا:
'' ... أما والله ـ ألية المسلم البر, وسريرة الضمير الحر ـ لا ترجع هيبة العلماء إلى مستقرها من نفوس الأمة حتى يقوموا بعهد الله في بيان الحق، ويتظافروا على حرب البدع والضلالات التي لابست الإسلام، ولبست عقائده ففسدت، وآدابه فكسدت، ولبستْ على المسلمين دينهم فأصبحتْ حقائقه في واد، وعقولهم في واد، وحتى يَجلوا على الأمة تلك الكنوز الدفينة في كتاب الله كتاب الإنسانية العليا، وفي سيرة محمد دستور الحق والخير والكمال؛ وإن ذلك في صميمه هو ما تقوم به جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في دعوتها وعملها الإصلاحيين؛ وإنها لا تفتأ جاهدة في الإصلاح الديني حتى تؤدي أمانة الله منه، وتبلغُ الغاية من إقراره في النفوس، وتمكينه في الأفئدة؛ وقد بلغت دعوتها للمقصورات في خدورهن، وللرُّحل في قفارهم، وللبداة في بواديهم، وللحضر في نواديهم، حتى أصبحتْ آثارها بادية في العقول والأفكار والإرادات وقد رجع للقرآن نفوذه وسلطانه، وحجته وبرهانه، وللسنة النبوية مكانها علماً وعملا، وللعلماء المصلحين قوتهم في التوجيه، ومكانتهم في التدبير، وقدرتهم على القيادة.
وإن هذه النتيجة لدعوة جمعية العلماء لمعجزة ادخرها الله لهذا القطر الجزائري، فلا يوجد قطر من أقطار الإسلام تأثر أهله بالفكرة الإصلاحية الدينية كما تأثر مسلمو الجزائر، ولا يوجد في علماء الإسلام جماعة قاموا بهذه الدعوة الجريئة، متساندين مجتمعين، يَجمعهم نظام وانسجام، كما قام رجال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، على كثرة اللدَد في الخصم وفـرة اللجاج في المعارض؛ وكم وددنا لإخواننا علماء الأقطار الإسلامية، لو قاموا بمثل ما قمنا به من تطهير عقائد المسلمين وتوجيههم التوجيه الصحيح النافع في الدين والحياة، والرجوع بهم ـ في صراحة وجرأة ـ إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم، وإنقاذهم بذلك من عصبيات المذاهب والطرق التي فرقت شملهم، ومصائب التفرق والخلاف التي أذهبت ريحهم؛ ومع أن إخواننا علماء الإسلام يَملكون ما لا نملك من وسائل الاجتماع، وأسباب القوة ـ فإن جهودهم في الإصلاح الديني لم تزل فردية محدودة، وخطواتهم في السير به لم تزل بطئية متثاقلة.
أما والله ـ لو أنهم اجتمعوا وتذامروا, وشنوها ـ كما شنناها غارة شعواء على البدع والضلالات التي مهدت للانحلال وفساد الأخلاق بين المسلمين, ومكنت للضعف والخور في نفوسهم, وللوهن والفشل في عزائمهم, وللزيغ والاعوجاج في فطرتهم, وللرثاثة والنكث في روابطهم، ثم صيرتهم ـ لذلك ـ حمى مستباحاً، ونهباً مقسماً ـ لو فعلوا ذلك لأعادوا للإسلام قوته وكماله، ونضرته وجماله، وللمسلمين مكانهم في البشر ومكانتهم في التاريخ. (جريدة البصائر - العدد 36 - سنة 1948 ).

نشأة الجمعية:
بمرور مائة سنة كاملة على الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830-1930 م)، قامت إدارة الاحتلال باحتفالات ضخمة تخليداً لحدث الغزو – وقد أعدت عدتها لكي يستغرق هذا الاحتفال ستة أشهر – وهذا تجديداً للجراج والمآسي والمظالم والانتهاكات التي ارتكبتها – ظلماً وعدوانًا – في حق الشعب الجزائري، ومبالغتها في محاربة اللّغة العربيّة والدّين الإسلاميّ والتّمكين للتّخلّف الذهنيّ والشّعْبَذة لدى النّاس، وتشجيع ممارسات وطقوس فلكلوريّة ليست من الدّين الصّحيح في شيء.
فشحذ هذا الاحتفال البغيض همّة علماء المسلمين في الجزائر وحماسهم وغيرتهم على دينهم ووطنهم، وكان الرد الحضاري العلمي، على التحدي الهمجي الفرنسي السافر و خاصة بعد إصدارها للظهير البربري الخطير ( أنظر الوثيقة في الهامش)، بإنشاء جمعية العلماء بعد أن سبقتها محاولة تأسيس جمعية الإخاء العلمي سنة 1924 م، وبعد أن انطلق عمل الرواد في الميدان وفي مناطق مختلفة من الوطن سنة 1928 م، يمهد الأرضية المناسبة والشروط الضرورية، لانطلاق تأسيس الجمعية.
طلعت الشهاب في عدد مارس من سنة 1931 م ببيان، تضمن دعوة عامة إلى تكوين جمعية العلماء – كما يقول الشيخ الإبراهيمي – : "دعونا فقهاء الوطن كلهم، وكانت الدعوة التي وجهناها إليهم صادرة باسم الأمة كلها ليس فيها اسمي ولا اسم ابن باديس، لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق من الحملات الصادقة على جمودهم، ووصفنا إياهم بأنهم بلاء على الأمة، وعلى الدين لسكوتهم على المنكرات الدينية، وبأنهم مطايا الاستعمار، يذل الأمة ويستعبدها باسمهم" ( مجلة مجمع اللغة العربية، ج21 سنة 1966، ص : 143-144.)
فاجتمع شمل العلماء وقرروا إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا"، وذلك يوم يوم الثلاثاء 17 من شهر ذي الحجة عام 1349 هـ الموافق لـ الخامس من ماي 1931 م بنادي الترقي بالجزائرالعاصمة، وتشكّلت من أبرز العلماء الجزائريين في هذه الفترة منهم: عبد الحميد بن باديس، البشير الإبراهيمي، الطيب العقبي، العربي التبسي، مبارك الميلي، الامين العمودي، الفضيل الورتلاني، رودوسي محمود، محمد عبابسة الاخضري، الزاهري... .وترأس اللجنة التأسيسية السيد عمران إسماعيل، وتمّ تعين مجلس إداري من 13 عضو ورغم غياب الشيخ عبد الحميد بن باديس إلاّ أنه انتخب رئيسا للجمعية ، وأختير الشيخ البشير الإبراهيمي نائبا له، وتحصلت الجمعية على الاعتماد من طرف الإدارة الفرنسية نظرا لليونة برنامجها و قد حدّدت جمعية العلماء برنامجها في قانونها الأساسي الذي تضمّن 24 فصلا تناول فيها الخطوط العريضة لعمل الجمعية ( أنظر جريدة البصائر، السنة 1، العدد46، ص:2 ).
و قد لبّى الدعوة وحضر الاجتماع التأسيسي أكثر من سبعين عالما, من مختلف جهات الجزائر ، ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية "وهي تشمل على المصلحين والطرقيين والمالكيين والإباضيين. لم ينظر فيها إلى مذهب دون آخر، ولا إلى طريقة دون غيرها. ولا غاية للمصلحين، ولا أمل لهم غير الاتفاق والاتحاد، نظراً لأن الجمعية جمعية علماء، وهي أقرب الناس إلى الحق، وأعرف الناس بطرق التفاهم"( البصائر، س1، ع46، ص : 2.)
أما السبب من وراء عدم حضور ابن باديس الاجتماع التأسيسي للجمعية من الأول, فيوضحه الشيخ محمد خير الدين أحد المؤسسين الذي حضر الجلسات العامة والخاصة لتأسيس الجمعية, يقول في مذكراته الجزء 1 ص 79 ط : م.و.ك : "كنت أنا والشيخ مبارك الميلي في مكتب ابن باديس بقسنطينة يوم دعا الشيخ أحد المصلحين (محمد عبابسة الاخضري) وطلب إليه أن يقوم بالدعوة إلى تأسيس (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) في العاصمة وكلفه أن يختار ثلة من (جماعة نادي الترقي) الذين لا يثير ذكر أسمائهم شكوك الحكومة, أو مخاوف أصحاب الزوايا, وتتولى هذه الجماعة توجيه الدعوة إلى العلماء لتأسيس الجمعية (في نادي الترقي بالعاصمة) حتى يتم الاجتماع في هدوء وسلام, وتتحقق الغاية المرجوة من نجاح التأسيس. ويقول الشيخ خير الدين : "وأسر إلينا ابن باديس أنه سوف لا يلبي دعوة الاجتماع ولا يحضر يومه الأول حتى يقرر المجتمعون استدعاءه ثانية بصفة رسمية, لحضور الاجتماع العام, فيكون بذلك مدعوا لا داعيا, وبذلك يتجنب ما سيكون من ردود فعل السلطة الفرنسية وأصحاب الزوايا, ومن يتحرجون من كل عمل يقوم به ابن باديس".
وتمت صياغة القانون الأساسي للجمعية تبعًا لنظام وقواعد الجمعيات المبينة بالقانون الفرنسي المؤرخ بغرة جويلية سنة 1901 م ، وقد جاء في مائة وسبع وأربعين مادة، وأقره المجلس بعد إجراء تعديلات بسيطة عليه، وعرض بعدها على الجمعية العامة، فصادقت عليه بالإجماع، وقررت ترجمته إلى اللغة الفرنسية، ليقدم للحكومة التي صادقت عليه ووافقت عليه بعد خمسة عشر يوما فقط من تقديمه.
وتظهر أهداف الجمعية من خلال قانونها الأساسي ومن خلال نشاطات أعضائها و كتاباتهم. وفي مقدمة هذه الأهداف، المحافظة على الدين الإسلامي ومحاربة الخرافات والبدع و إحياء اللغة العربية وآدابها و تمجيد التاريخ الإسلامي وآثاره ،وقد شهد لها بهذا حتى المعارضين لأفكارها فالسيد فرحات عباس ( أول رئيس للحكومة المؤقتة الجزائرية و أحد دعاة الاندماج مع فرنسا ) في كتابه " ليل الاستعمار ص 122: أشار إلى أن أهداف الجمعية تمثلت " في تجديد الإسلام، والصراع ضد المرابطين ( الطرقيين المنحرفين) أداة الاستعمار وتكوين إطارات الثقافة العربية".
( يتبع إن شاء الله...).
-------
الهامش:
ليس جديدا الحديث عن موقف الغرب من الاسلام فالحروب الصليبية ومن ثم ما سمي بـ المسالة الشرقية وعمليات تفكيك آخر الأمبراطوريات الإسلامية بضرب مسلميها بعضهم بالبعض الآخر لم تزل أحاديث تردد ووثائق تنشر وليست غائبة عن ذهن أحد.
كما لم يكن موقف فرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية بخاف في مسالة استغلال القوميات والطوائف المتآلفة بالاسلام والاقليات غير الاسلامية في العالم الاسلامي فمن سياسة فرق تسد الى الحملات التبشيرية الى اعتماد ما سمي بالطابور الخامس في المنطقة موضوع الاستغلال. وفي كل مرة كانت هناك حجج المستعمرين في مسائل القوميات المتآلفة بالاسلام كان اللعب على الحقوق القومية والثقافات المتميزة واحياء اللغات وتبني المطالب.. وفي الاقليات غير الاسلامية كان التحرك تحت رداء حماية الاقليات المسيحية المضطهدة في العالم الاسلامي.
أرادت فرنسا استمرار هذه اللعبة الاستعمارية التاريخية بإثارة قضية البربر في المغرب العربي. فلكي تتوغل في صفوف المسلمين كان عليها أولا تفرقتهم ولذلك عملت وما زالت تعمل على دعاوى تميز البربر واحياء تقاليدهم وقوميتهم منذ استصدار الظهير السلطاني عام 1930 الخاص بتنازل السلطان المغربي لفرنسا بالاشراف على الامور الدينية لأمة البربر محاولة منها لتنصير البربر بإخراجهم من احكام الشريعة الاسلامية وتفريقهم عن العرب .
ولكن الامة الاسلامية على الرغم من احتلال اراضيها كانت و اعية لخطورة العزف على هذه النغمات الاستعمارية والبربر بدورهم قد استشعروا الخطورة وأرسلوا خطابهم يستنجدون إخوانهم المسلمين ولذلك وقف علماء المسلمين من كل الارجاء ضد موقف فرنسا هذا وجاء هذا البيان الوثيقة عبرة وذكرى للمسلمين. (عبد الله بوفولة – موقع الشهاب )
نداء الى ملوك الاسلام وشعوبه جميعا: وإلى علماء الحرمين الشريفين ورجال المعاهد الاسلامية من اعلام الازهر وملحقاته في المملكة الاسلامية وجامع الزيتونة في تونس وجامع القرويين في فاس ومعهد ديوبند في الهند ومعهد النجف في العراق والى الجمعيات الاسلامية في انحاء الارض ولاسيما جمعيات الهند: جمعية الخلافة في بومباي وجمعية العلماء في دلهي وجمعية اهل الحديث في دلهي وجمعيات اندونيسيا: اتحاد الاسلام في سومطرا وشركة اسلام في جاوة والجمعية المحمدية في جكارتا والى المجلس الاسلامي الاعلى في القدس والمجلس الاسلامي الاعلى في بيروت والى جمعية ترقي الاسلام في الصين والى الصحف الشرقية على اختلاف لغاتها ولهجاتها:
أيها المسلمون:
إن أمة البربر التي اهتدت الى الاسلام منذ العصر الاول والتي طالما اعتمد عليها الاسلام في فتوحه وانتشاره وطالما استند اليها مستنجدا أو مدافعا في خطوبه العظمى. هذه الأمة التي سارت مع طارق الى اسبانيا ثم مع عبد الرحمن الغافقي الى فرنسا ومع أسد بن الفرات الى صقلية. هذه الامة التي كانت منها دولتا المرابطين والموحدين فكان لها في تاريخ الاسلام أيام غراء مجيدة. هذه الأمة التي ظهر منها العلماء الأعلام والقادة العظام والتي لرجالها في المكتبة الاسلامية المؤلفات الخالدة الى يوم الدين. هذه الامة التي تبلغ في المغرب الاقصى وحده أكثر من سبعة ملايين نسمة تريد دولة فرنسا الى إخراجها برمتها من حظيرة الإسلام بنظام غريب تقوم به سلطة عسكرية قاهرة ممتهنة به حرية الوجدان ومعتدية على قدسية الايمان بما لم يعهد له نظير في التاريخ. لقد وردت على مصر كتب من الثقات في المغرب الاقصى تذكر أن فرنسا قد استصدرت ظهيرا سلطانيا تاريخه 17 ذي الحجة سنة 1348(16 مايو سنة 1930) ونشرته الجريدة الرسمية في المغرب بعددها رقم 919 تنازل فيه سلطان المغرب لها على الإشراف على الامور الدينية لامة البربر وأن فرنسا قد بدات بالفعل في تنفيذ ذلك الظهير فقامت السلطة العسكرية في المغرب الاقصى تحول بين ثلاثة أرباع السكان وبين القرآن الذي كانت به حياتهم مدة ثلاثة عشر قرنا فابطلوا المدارس القرآنية ووضعوا قلوب أطفال هذه الملايين وعقولهم في ايدي أكثر من الف مبشر كاثوليكي بين رهبان وراهبات يديرون مدارس تبشيرية للبنين والبنات واقفلوا جميع المحاكم الشرعية التي كانت في تلك الديار واجبروا هذه الملايين من المسلمين على أن يتحاكموا في أنكحتهم ومواريثهم وسائر أحوالهم الشخصية الى قانون جديد سنوه لهم أخذوه من عادات البربر التي كانت لهم في جاهيليتهم وهي عادات لا تتفق مع الحضارة ولا تلائم مستوى الانسانية وحسبنا مثالا على انحطاطها وقبحها انها تعتبر الزوجة متاعا يعار ويباع وتورت ولا ترث وانها تجيز للرجل ان يتزوج ما شاء كيف شاء ولو أخته فمن عداها في عقد واحد وأن قانونا كهذا القانون يسن للمسلمين مخالفا للإسلام يعد من رضى به مرتدا عن الاسلام بإجماع علماء المسلمين. إن فرنسا التي تبث الدعاية في امم الارض بأنها أمة الحرية قد أجبرت رجال الحكومة المغرب المسلمين على أن يتركوا دينهم بتنازلهم لهم عما للسلطان من الحق في اقامة احكام الشرع الاسلامي بين رعاياه من قبائل البربر وجماهيرهم والاعتراف لحكومة الحمايةالفرنسية بانها صارت صاحبة التصرف في دينهم وأمورهم التشريعية والتهذيبية وهو ما لا تملك تلك الحكومة الحق في التنازل عنه. ومنذ استصدر الفرنسيون ظهيرا(مرسوما) من سلطان المغرب بهذا التنازل اعتبروا جميع المدارس القرآنية ملغاة وجميع العبادات الاسلامية معطلة ووكلوا أمر تعليم الاطفال المسلمين الى الرهبان توطئة لتنصير هذه الامة عقيدة وعبادة وعملا وحالوا بين جميع مناطق البربر وبين علماء المسلمين ورؤسائهم فلا يتصل بهم أحد منهم.
ايها المسلمون :
قد اجمع علماؤكم من جميع المذاهب على أن من رضي بارتداد مسلم عن دينه يكون مرتدا برضاه عن ذلك فيجب على جماعات المسلمين وطوائفهم وجمعياتهم وأفرادهم أن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج على هذاالعمل المنكر الفظيع بكل ما في وسعهم كل بحسب ما يليق به فإذا لم ينفع الاحتجاج فكر المسلمون في الوسائل المجدية وأن في وسعكم أيها المسلمون أن تجبروا دولة فرنسا على احترام اسلام هذا الشعب الكبير وتركه يتمتع بحريته الدينية والوجدانية لان حرية الدين والوجدان حق من حقوق الانسان يجب على الإنسانية حمايته من عبث العابثين واعتداء المعتدين. لقد سلكت دولة فرنسا مع إخواننا مسلمي المغرب سبيلا غير سبيل الرفق والنصح فجردتهم من وسائل النهوض وحالت بينهم وبين التعليم الصحيح وأنفقت أموال أوقافهم الاسلامية في ضد ما وقفت له واختصتهم بنشر النصيبين من كل ما تتصل به مصالح الوطنيين والاجانب وان في المسلمين من كان يعرف هذا ويتغاضى عنه على حين رجاء أن يجعل الله لاهل المغرب فرجا من عنده.