النفس في القرآن وأقوال العلماء في ذلك
قال ابن الجوزي : قال شيخنا علي بن عبيد الله اختلف الناس في ماهية النفس المختصة بالآدمي اختلافا كثيرا وأقربهم إلى الصواب قائلون قالوا إنها جوهر روحاني والجوهر الروحاني ما كان لطيفا لا يرد شعاع الأبصار وهو مخلوق من النور والضياء وأجسام الملائكة من نور ولهذا هم أجساد لطيفة لا تدركهم الأبصار في عموم الأحوال ويقرب منهم الجن والشياطين فإنهم مخلوقون من النار وقال قوم إن النفس جسم لطيف وقال قوم هي الدم وقال آخرون هي جسم غير الدم وقال آخرون هي عرض لأنا لا نجدها تقوم بنفسها واختلفوا في النفس هل هي الروح أم هي غيرها فقال كثير من الناس إن الروح شيء غير النفس وقال آخرون بل هما شيء واحد واختلفوا هل نفوس بني آدم جنس من نفوس الحيوان أم لا فقال كثير من الناس إن نفوس بني آدم جنس ونفوس البهائم جنس آخر وزعم آخرون أن النفوس كلها جنس واحد والقائلون بأنها من جنس واحد يقولون إن موت جميع الحيوان يتولاه ملك الموت في قبض الأنفس والقائلون بأنها من جنسين يقولون إن ملك الموت يتولى بني آدم في ذلك فأما جميع البهائم فلا يتولاها ملك الموت وإنما تموت بفناء أنفسها وذكر بعض المفسرين أن النفس في القرآن على ثمانية أوجه - أحدها آدم ومنه قوله تعالى في سورة النساء الذي خلقكم من نفس واحدة وفي الأنعام وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة والثاني الأم ومنه قوله تعالى في النور ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً أي بأمهاتهم والمراد بالآية عائشة والثالث الجماعة ومنه قوله تعالى في آل عمران إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم وفي براءة لقد جاءكم رسول من أنفسكم والرابع الأهل ومنه قوله تعالى في البقرة فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم قيل إنه أمر الأب الذي لم يعبد العجل أن يقتل ابنه العابد والأخ الذي لم يعبد أن يقتل أخاه العابد والخامس أهل الدين ومنه قوله تعالى في النور فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم أي على أهل دينكم وفي الحجرات ولا تلمزوا أنفسكم والسادس الإنسان ومنه قوله تعالى في المائدة وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس أي الإنسان بالإنسان والسابع البعض ومنه قوله تعالى في البقرة ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم أي يقتل بعضكم بعضا، والثامن النفس بعينها ومنه قوله تعالى في سورة النساء ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم .
نزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص594 - 597