الحمد لله

هذه مقتطفات من تفسير مخطوط جهل مصنفه من آثار البتر والسوس الكثير الواقع فيها.. والرجاء من الإخوة الأفاضل إفادتنا حول صاحب هذا التفسير إن علم. وقد نقلت تفسير أوائل سورة الأعلى لسلامته من السوس والبتر الذي أتلف غالب المخطوط.

بسم الله الرحمن الرحيم
الْأَعلى
مقصودها:
إيجاب التنزيه للأعلى سبحانه عن أن يلحق شاهق عظمته شيء من شوائب النقص، كاستعجال في أمر من إهلاك الكافرين أو غيره، أو العجز عن البعث، أو إهمال الخلق سُدًى يبغي بعضهم على بعض بغير حساب، أو أن يتكلم بما لا يطابق الواقع، أو يتكلم بما يقدر أحد أن يتكلم بمثله.

(سَبِّحِ) أي نزِّه وبرِّئ تنزيهًا وتبرئةً عظيمةً عن كل ما لا يليق (اسْمَ رَبِّكَ) المحسن إليك بعد إيجادك على صفة الكمال بتربيتك على أحسن الخِلال، حتى كنت في غاية الجلال والجمال.
والتنزيه هنا إما متعلِّق بأسمائه تعالى أو بذاته :
وعلى الأول يكون المعنى: نزّه وقدِّس اسم ربِّك الدالِّ على ذاته وصفةٍ من صفاته كالعليم والرحمن، أو فعلٍ من أفعاله كالخالق والرازق وغيرها من كلِّ ما نطق به الكتاب والسنة أو أجمعت على إطلاقه الأمة.
وتنزيهُ أسمائه تعالى يكون عن أمور:
ـ تنزيه عن الإلحاد والميل عن الحق فيها إلى الباطل.
وهو على قسمين:
1 ـ إلحاد في ألفاظها، ويكون بوجوه، منها ذِكرُها على غير وجه التعظيم، وإطلاقها على غيره سبحانه زعمًا أنها فيه سواء، والتنزيه عن الأول يكون بعدم ذكرها على وجه الاستخفاف، وفي محل لا يليق به كالخلاء أو غيره من كل موطن مستكره أو قذر، والتنزيه عن الثاني بعدم إطلاق أسمائه تعالى على غيره بأن لا تستعمل فيه بوجه يشعر العقلَ بتشاركه تعالى وذلك الغير في تلك الأسماء، كأن يوصف أحد غيره تعالى بأنه خالق لفعله أو موجد له من العدم إلى الوجود.
2 ـ والإلحاد في معانيها. ويكون بوجوه:
أ ـ منها صرفها عن معانيها الظاهرة الحقّية من غير موجب لذلك، كاعتقاد أن معنى اسمه العالِم دالٌّ على ذاته من غير صفة علم زائدة على ذاته بشُبهة استلزام ذلك تعدد القدماء.
ب - ومنها إبقاؤها على ظواهرها إذا كانت تلك المعاني الظاهرة غير مناسبة ولا لائقة بذاته تعالى، كاعتقاد أن معنى اسمه الرحيم دالٌّ على أن له قلب رقيق وأن له تأثر وانفعال.
والتنزيه عن الأول يكون بدفع الشُّبَه المقتضية لصرفها عن معانيها الحقية،
وعن الثاني بالاحتكام إلى المحكمات من النصوص القرآنية والبراهين العقلية النافية للمشابهة والمثليّة.

وعلى الثاني، وهو أن متعلق التنزيه المسمَّى لا الاسم، أي ذاته تعالى لا الألفاظ الدالة عليه، يكون المعنى: نزِّه ذاته تعالى عن كل نقص وعن كل ما لا يصح من الأوصاف باعتقاد قِدمه وبقائه ودوامه ووجوب اتصافه بجميع صفات الكمال.

والوصف الكريم الذي هو (الْأَعْلَى) إما مجرور على أنه صفة موضحة للربِّ المضاف إليه ضميره ، وهو الأظهر لسلامته من المانع ، أو صفة للاسم المضاف لعنوان الربِّ فيكون منصوبا، وضُعّف باستلزامه الفصل بين الصفة وموصوفها بصفة غيره؛ إذ يصير التركيب كقولك: جاء غلام هند العاقل الحسنة، فيفصل بالعاقل بين هند وصفتها.

(الَّذِي خَلَقَ) كل بسيط ومركب وملَك وفلَك وإنسي وجني وغيرها من سائر العلويات والسفليات من العرش إلى الفرش بأن أوجده من العدم وأخرجه إلى فضاء الوجود على نحو ما سبق العلم بخلقه، (فَسَوَّى) بقدرته وتخصيص إرادته وأتقن بكمال علمه ما خَلقه وأبدعه بأن أعطاه ما به يتيسر له تحصيل كماله وتمامه على ما يليق بحاله.

(وَالَّذِي قَدَّرَ) المخلوقات بإيقاع كل منها على مقدار مخصوص من طول وقصر وكبر وصغر وغيرها، وقدّر أحجامها المنتهية إليها وحدودها المقصورة عليها وأعمارها المعينة لها، فلا تزيد عليها ولا تنقص عنها، فالتقدير هنا بمعنى جعل الشيء على مقادير مخصوصة.

(فَهَدَى) كل واحد واحدٍ من مخلوقاته إلى ما ينبغي له ويصلح في حقه، فهيأه لما خُلق له من خير أو غيره ويسّره له، كما هدى سبحانه بأن أرشد المكلفين بنصب الدلائل الأنفسية والآفاقية والآيات التكوينية على وحدته تعالى وقدمه ووجوب وجوده واستحالة عدمه وغيرها من أوصاف الكمال الدالة عليها أفعاله، وهدى أيضا بأن أنزل الآيات التشريعية الناطقة بالتقديس والتمجيد، وبقدرته تعالى على بعث الأموات ووقوعه في آخر الأوقات، وبأن محط التكليف ومنتهى التوظيف المجازاة على الأعمال في دار البقاء بعد الانتقال من دار الزوال، وبأن ما هذه الحياة الدنيا إلا متاع.
انتهى النقل.