التعريف بعلم مقاصد السور .
المسألة الأولى : التعريف :
المقصد : يرجع إلى مادة ( ق ص د ) وهي تدور على معنى التوجه والنهوض نحو الشيء.

قال ابن جني: أصل مادة " ق ص د " ومواقعها في كلام العرب: التوجه والنهوض نحو الشيء ، هذا أصله في الحقيقة".([1]) .

فالمقصد هو العمدة الذي يتوجه إليه الكلام ويرجع إليه.

ويعرّف الفراهي المقصد الأساسي أو عمود الكلام كما يسميه في كتابه نظام القرآن بأنه : " جماع مطالب الخطاب ، فإليه مجرى الكلام ، وهو المحصول والمقصود منه ، فليس من أجزائه الترتيبية ، ولكنه يسري فيه كالروح والسر ، والكلام شرحه وتفصيله ، وإنتاجه وتعليله ، وربما يحسن إخفاؤه ، فلا يطلع عليه إلا بعد استيفاء الكلام والتدبر فيه" ([2]).

ويقول : " إن النظر في آيات السور لا يدع شكاً في أن عمود الكلام ليس إلا الأمور الكلية التي لا تتعلق بوقت ولا زمان " ([3]) .

ويمكن أن نخلص من كلامه أن ضوابط المقصد :

1- أنه جامع مطالب الخطاب الذي يمثل الأمور الكلية للسورة ، وهو المحصول والمقصود الأساسي منه .

2- أنه يمثل الروح الذي يسري في كيان السورة ، فيربط بين أجزائها ، ويجعل كل جزء فيها آخذاً بالآخر ، في سبيل تحقيق المقصد الأعظم .

3- أنه معنى خفي يحتاج إلى تدبر واستيفاء الكلام كله .

وعليه فيمكن أن نحدد مقصد السورة بأنه ( مغزى السورة الذي ترجع إليه معاني السورة ومضمونها ، ويمثل روحها الذي يسري في جميع أجزائها ) .

وإذا تبين هذا فيمكن أن نعرف علم مقاصد السور بأنه ( علم يعرف به مغزى السورة الجامع لمعانيها ومضمونها ) .

وقد عرف البقاعي هذا العلم فقال : " هو علم يعرف منه مقاصد السور ، وموضوعه : آيات السور ، كل سورة على حيالها " ([4]) .


المسألة الثانية : مرادفات مصطلح مقاصد السور :
مصطلح مقاصد السور مصطلح متأخر ، لذا نجد التفاوت في التعبير عنه عند المتأخرين .

فقد يعبر عنه بسياق السورة ، وغرض السورة ، والوحدة الموضوعية ، الوحدة السياقية للسورة ، وموضوع السورة العام ، وعمدة السورة ، وهدف السورة ، ومحور السورة ، ومضمون السورة ، ومدار السورة ، وفلك السورة ، وجو السورة ، وشخصية السورة ، وروح السورة .

وكلها تصب في معنى واحد هو أن تكون السورة ترجع إلى معنى واحد يجمعها ، هو مراد الله تعالى ومقصوده فيها .

المسألة الثالثة : الفرق بين موضوعات السورة ومقصدها

هناك فرق بين موضوع السورة ومقصدها ، فالموضوع أو الموضوعات هي المعنى أو المعاني الظاهرة التي تمثلها الأحكام والقصص ونحوها ، وأما المقصد فهو معنى خفي يجمعل تلك الموضوعات .

فمثلاً سورة البقرة : نجد أن موضوعاتها تركز على الأحكام الكلية للشريعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية :" وقد ذكرت في مواضع ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول العلم و قواعد الدين" وأما غرضها فهي في بناء نظام الدولة المسلمة ، وإعداد الأمة لحمل أمانة الدين وتبليغها بعد تخلي بني إسرائيل عنها . ويؤكد ذلك تسميتها بالبقرة وتضمينها لقصة البقرة الدالة على تحذير الأمة من مشابهة بني إسرائيل في تلقي الأحكام والتشريعات ولذلك اختتمت بقوله ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ) .... إلى قوله ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) وجاءت آخر جملة منها دالة على التبيلغ بقوله ( أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) . فتأمل الفرق والعلاقة بين الموضوع والمقصد ، تجد أن بينهما فرق كما أن بينهما ترابط لازم . إذ أن الموضوع دال على المقصد . والله أعلم .

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) ((لسان العرب)) ( 3/353)

([2]) ((دلائل النظام)) ص16 .

([3]) المصدر السابق ص62 .

([4]) (( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور )) ( 1/155) .