والحقيقة أنه لا بد أن يكون لهذا العدول مغزىً يتناسب مع سياقه الوارد فيه، والسياق هو سياق نعيم، فلا بد أن ننعم الفكر في النعيم والمنعمين، ولعل ما ذهب إليه فاضل السامرائي هو أقرب إلى دلالة السياق، إذ يرى أن المخالفة في التعبير القرآني في هذا السياق راجعة إلى المفارقة بين الجزاءين، فجزاء الأبرار دون جزاء عباد الله، إذ الآية تتحدث عن صنفين من أهل الجنة، الصنف الأول الأبرار "والصنف الآخر هم الذين سماهم (عباد الله) وهم أعلى مرتبة ممن قبلهم … ويتفاضل الناس بمقدار هذه العبودية، فكلما كان الشخص أكمل في عبوديته هذه وأتم كان أقرب إلى سيده، وتطلق هذه الصفة أعني صفة العبودية على أعلى الخلق وهم الأنبياء في مقام التشريف، قال تعالى: ]وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً[ [الجن: 19]، وقال: ]سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى[ [الإسراء: 1] وقال: ]ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً[ [الإسراء: 3].
من هذا يتبين أن مرتبة الذين سماهم (عباد الله) أعلى من الأبرار، وقد فرق بين النعيمين كما فرق بين الصنفين فقد وصف نعيم الأبرار بأنهم يشربون من كأس، وأن هذه الكأس ليست خالصة بل ممتزجة (كان مزاجها كافورا)، وأما الصنف الآخر وهم (عباد الله) فهم لا يشربون من كأس يؤتى بها، بل يشربون خالصة من العين (عيناً يشرب بها عباد الله) وهي مرتبة أعلى([1]).
ونضيف إلى توجيه السامرائي أن (الباء) في قوله: "عيناً يشرب بها" هي على أصلها من إفادتها معنى الإلصاق، وفي ذلك مزيد مبالغة في وصف النعيم الذي هم حالون فيه، فهم يشربون من عين يكاد أن يلاصق أفواههم ماؤُها دون بذل أي عناء في الشرب، إذ لا يحتاجون أن يشربوا منها وإنما بها، وفي ذلك إمعان في نفي وجود أدنى عناء في التمتع بالنعيم في الجنة، على خلاف المعهود في متع الدنيا، لذا عندما وصف المولى
-عزوجل- سرر الجنة قال: ]وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىسُرُرٍ
مُّتَقَابِلِينَ[ [الحجر: 47]، ولم يقل: على سرر متجاورين، وذلك لينفي عنهم وجود أي عناء في أن يلتفت الأخ إلى أخيه ليراه.
وتفيد (الباء) أيضاً القرب من المكان والنزول به، نحو قولنا: نزلت بالعين([2])، وأفادت أيضاً أن الشرب من العين ليس هو الغاية في النعيم، وإنما (العين) وسيلة وأداة موصلة للنعيم، وإن شئت فقدر محذوفاً، فقل: يشربون بها السعادة والنعيم الذي لا نظير له، فلذائذ الدنيا ومتعها غاية لذاتها، فالشرب فيها لذات الشرب حتى يحصل الارتواء بعد ظمأ قد حل، والشرب في الجنة ليس مقصوداً لذات الارتواء والسلامة من عطب أو هلاك، وإنما هو نعيم يتوصل به إلى نعيم أكبر.
وكذلك أفادت (الباء) هنا التمييز بين نعيمين وصنفين من أهل النعيم كما أشار إليه السامرائي، فصنف يشرب خمر الجنة من كأس ممزوج بها الكافور الذي هو عين في الجنة، وتعرب (عيناً) في الحالة هذه بدلاً من (كافوراً)، وصنف فوق أولئك هم نازلون بالعين نفسها يشربون بها السعادة والخلود، والنعيم الذي لا يزول ولا يبيد، وهي ملاصقة لأفواههم فضلاً عن أبدانهم ملاصقة النعيم لصاحبه لا ينفك عنه بحال، ولا ينقص منها شيء بل هي في تفجير وتكاثر وازدياد.
ونحن في مألوف الاستعمال اللغوي نقول: شربت بالكأس من العين، فتكون الكأس هي الأداة المشروب بها، فتدخل (الباء) على الآلة والأداة، فالأبرار يشربون (من كأس)، وعباد الله (يشربون بالعين)، فكانت الكأس بمثابة العين للأبرار، والعين بمثابة الكأس لعباد الله، يشربون بها ما هو أكبر من العين وهو السعادة والسرور، والتلذذ بما لا يحيط به الوصف من النعيم. ويمكن تمثيل ذلك في الشكل الآتي:




التفاضل في النعيم


الملاصقة (مبالغة في النعيم)


الزيادة وعدم الانتقاص


العين (سبب لنعيم أعظم)


القرب والنزول بالعين


الخلوص (خلوص شرابهم)



[دالة المزج هنا يقابلها خلوص شرابهم هناك، فالعين شرابهم]


مفاضلة في مصدر الشرب


مفاضلة في
الفعل والأداة


مفاضلة في
رُتَب المنعَّمين



















صنف أعلى¬ عباد الله ® يشرب بــها ® عيــناً





صنف أدنى¬ إن الأبرار ¬ يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً



(حركة بنية التعبير عن النعيم)

[فانتهت بنية التعبير في وصف نعيم (الأبرار) بمحدودية المزج
(كان مزاجها كافوراً)
في حين انتهت بنية التعبير في وصف نعيم (عباد الله) بالكثرة والعطاء غير المتناهي
(يفجرونها تفجيراً)]


([1]) التعبير القرآني، 211، (بتصرف).

([2]) انظر: البرهان في علوم القرآن، 3/339.


ملاحظة :هناك أسهم تبرز دلالة الباء لكن للأسف عند نقلها للملتقى لم تظهر.