الرقية من العين والسحر وأقوال العلماء في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد فإن الله : أخبرنا بأن القرآن شفاء لما في الصدور فقال تعالى :
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. (يونس:57) وقال : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . (الإسراء: من الآية82) ، وقال : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ. ( فصلت: من الآية44) ، وقال : وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. (التوبة: من الآية14) ، فالقرآن شفاء من كل داء بإذن الله تعالى ، وقد أقر النبي الصحابة على الرقية بالقرآن حين رقوا اللديغ بفاتحة الكتاب وأعطوا على ذلك قطيعاً من الغنم ، فعن أبي سعيد الخدري أن ناساً من أصحاب رسول الله كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم فقالوا لهم هل فيكم راق فإن سيد الحي لديغ أو مصاب فقال رجل منهم نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل فأعطي قطيعاً من غنم فأبى أن يقبلها وقال حتى أذكر ذلك للنبي فأتى النبي فذكر ذلك له فقال يا رسول الله والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم وقال وما أدراك أنها رقية ثم قال خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم .
أخرجه مسلم رقم ( 2201 ) 4 / 1727.
قال الحافظ ابن حجر : وفي الحديث جواز الرقية بكتاب الله ويلتحق به ما كان بالذكر والدعاء المأثور وكذا غير المأثور مما لا يخالف ما في المأثور .
فتح الباري شرح صحيح البخاري 4 / 457، ونيل الأوطار للشوكاني 6 / 31.
قال الذهبي : قال الخطابي : إذا كانت الرقية بالقرآن أو بأسماء الله تعالى فهي مباحة لأن النبي كان يرقي الحسن الحسين فيقول أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة وبالله المستعان وعليه التكلان . الكبائر للذهبي ص16. فقد جمع العلماء آيات من القرآن وقالوا بأنها رقية من العين وجربوها ووجدوها نافعة بإذن الله تعالى وسأذكر بعد تلك الآيات بعض الأحاديث الواردة في العين وفي الرقية منها ، وأقوال بعض العلماء في ذلك ، أما الآيات : فقوله تعالى : وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . (البقرة:109) ، وقال تعالى : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً .(النساء:54) ، وقال تعالى : وَقَالَ يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ . (يوسف:67) ،وقال تعالى : وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً (الكهف:39) ، وقال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ، الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (الملك:1 - 4) ، وقال تعالى : وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. (القلم: 51 - 52)
وأما الآيات التي يحل بها السحر عن المسحور بإذن الله ، فعن ليث بن أبي سليم قال : بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى تقرأ في إناء فيه ماء ثم يصب على رأس المسحور ، الآية التي من سورة يونس ] فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ، وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ [ (يونس: 81 – 82) ، والآيات الأخرى التي في سورة الأعراف ] وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ، فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُون َ، فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ، وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ، قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ، رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [ (لأعراف: 117 - 122) ، وقوله تعالى ] وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى [ (طـه:69) . تفسير ابن كثير ج2/ص428
قال بن عباس من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين لم يضره كيد ساحر ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر .
تفسير القرطبي ج8/ص368
وأما الأحاديث الواردة في العين وفي الرقية منها فالأول منها :
عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال : العين حق .
أخرجه مسلم رقم ( 2187 ) 4 / 1719 .
وعن بن عباس عن النبي قال العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا .
أخرجه مسلم رقم ( 2188 ) 4 / 1719 .
وعن عائشة أن رسول الله كان يأمرها أن تسترقي من العين .
أخرجه البخاري رقم ( 5738 ) ، ومسلم رقم ( 2195 ) 4 / 1725.
وعن أنس بن مالك قال : رخص رسول الله في الرقية من العين ، والحمة ، والنملة
أخرجه مسلم رقم ( 2196 ) 4 / 1725.
قال الحافظ ابن حجر : رقية النملة والنملة : قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد .
فتح الباري شرح صحيح البخاري 10 / 196.
وعن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه سمع أباه يقول اغتسل أبي سهل بن حنيف بالخرار فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر قال وكان سهل رجلا أبيض حسن الجلد قال فقال له عامر بن ربيعة ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء قال فوعك سهل مكانه واشتد وعكة فأتي رسول الله فأخبر أن سهلاً وعك وأنه غير رائح معك يا رسول الله فأتاه رسول الله فأخبره سهل بالذي كان من شأن عامر فقال رسول الله علام يقتل أحدكم أخاه ألا بركت إن العين حق توضأ له فتوضأ له عامر فراح سهل مع رسول الله ليس به بأس .
أخرجه مالك في الموطأ رقم ( 1678 ) 2 / 938 ، والنسائي في السنن الكبرى رقم ( 7616 ) 4 / 380 .
عن حميد بن قيس المكي أنه قال دخل على رسول الله بابني جعفر بن أبي طالب فقال لحاضنتهما مالي أراهما ضارعين فقالت حاضنتهما يا رسول الله إنه تسرع إليهما العين ولم يمنعنا أن نسترقي لهما إلا أنا لا ندري ما يوافقك من ذلك فقال رسول الله استرقوا لهما فإنه لو سبق شيء القدر لسبقته العين .
أخرجه مالك في الموطأ رقم ( 1680 ) 2 / 939 ، وأحمد في المسند رقم ( 27510 ) 6 / 438، وغيرهما
عن سليمان بن يسار أن عروة بن الزبير حدثه أن رسول الله دخل بيت أم سلمة زوج النبي وفي البيت صبي يبكي فذكروا له أن به العين قال عروة فقال رسول الله ألا تسترقون له من العين .
أخرجه مالك موطأ رقم ( 1681 ) 2 / 940.
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال خرج سهل بن حنيف ومعه عامر بن ربيعة يريدان الغسل فانتهيا إلى غدير فخرج سهل يريد الخمر قال وكيع يعني به الستر حتى إذا رأى أنه قد نزع جبة عليه من صوف فوضعها ثم دخل الماء قال فنظرت إليه فأصبته بعيني فسمعت له قرقفة في الماء فأتيته فناديته ثلاثاً فلم يجبني فأتيت النبي فأخبرته فجاء يمشي فخاض الماء حتى كأني أنظر إلى بياض ساقيه فضرب صدره ثم قال اللهم اذهب عنه حرها وبردها ووصبها فقام فقال النبي إذا رأى أحدكم من نفسه أو ماله أو أخيه ما يحب فليبرك فإن العين حق .
أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين رقم ( 7500 ) 4 / 240 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
قال الحافظ ابن كثير : قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا محمد بن معمر حدثنا أبو داود حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري ويقال له بن الضجيع ضجيع حمزة حدثني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال قال رسول الله أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس قال البزار يعني العين قال ولا نعلم يروي هذا الحديث عن النبي إلا بهذا الإسناد قلت بل قد روي من وجه آخر عن جابر قال الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر الهروي المعروف بشكر في كتاب العجائب وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريبة حدثنا الرمادي حدثنا يعقوب بن محمد حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله قال العين حق لتورد الرجل القبر والجمل القدر وإن أكثر هلاك أمتي في العين ثم رواه عن شعيب بن أيوب عن معاوية بن هشام عن سفيان عن محمد بن المنكدر عن جابر قال قال رسول الله قد تدخل الرجل العين في القبر وتدخل الجمل القدر وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات ولم يخرجوه .
تفسير ابن كثير 4 / 412
قال أبو عمر ابن عبد البر : لا أعلم خلافاً بين العلماء في جواز الرقية من العين أو الحمة وهي : لدغة العقرب وما كان مثلها إذا كانت الرقية بأسماء الله ومما يجوز الرقي به وكان ذلك بعد نزول الوجع والبلاء وظهور العلة والداء وإن كان ترك الرقى عندهم أفضل وأعلا لما فيه من الاستيقان بأن العبد ما أصابه لم يكن ليخطئه وأنه لا يعد شيء وقته وأن الأيام التي قضى الله بالصحة فيها لم يسقم فيها من سبق في علم الله صحته .
الاستذكار لابن عبد البر 8 / 405.
قلت : قوله ( ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين) فيه إثبات القدر، وهو حق، بالنصوص وإجماع أهل السنة، ومعناه: أن الأشياء كلها بقدر الله تعالى، ولا تقع إلا على حسب ما قدرها الله تعالى وسبق بها علمه ، فلا يقع ضرر العين، ولا غيره من الخير والشر إلا بقدر الله تعالى، وفيه صحة أمر العين ، وإنها قوية الضرر.
قال ابن القيم : وقد روى الترمذي من حديث أبي سعيد أن النبي كان يتعوذ من عين الإنسان صحيح فلولا أن العين شر لم يتعوذ منها ، وفي الترمذي من حديث علي بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير حدثني حابس بن حبة التميمي حدثني أبي أنه سمع رسول الله يقول لا شيء في الهام والعين حق ضعيف لكن قوله والعين حق صحيح
وفيه أيضا من حديث وهيب عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال كان رسول الله يقول لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين وإذا استغسلتم فاغسلوا رواه مسلم وفي الباب عن عبدالله بن عمر وهذا حديث صحيح ، والمقصود أن العائن حاسد خاص وهو أضر من الحاسد ولهذا والله أعلم إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن لأنه أعم فكل عائن حاسد ولا بد وليس كل حاسد عائنا فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته وأصل الحسد هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها الساحر والحاسد فالحاسد عدو النعم وهذا الشر هو من نفس الحاسد وطبعها ليس هو شيئاً اكتسبه من غيرها بل هو من خبثها وشرها بخلاف السحر فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى واستعانة بالأرواح الشيطانية فلهذا والله أعلم قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر لأن الإستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن فالحسد من شياطين الإنس والجن والسحر من النوعين ، وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن وهو الوسوسة في القلب فذكره في السورة الأخرى كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه بل هو أذى من أمر خارج عنه ففرق بينهما في الذكر في سورة الفلق والوسواس إنما يؤذي العبد من داخله بواسطة مساكنته له وقبوله منه ولهذا يعاقب العبد على الشر الذي يؤذيه به الشيطان من الوساوس التي تقترن بها الأفعال والعزم الجازم لأن ذلك بسعيه وإرادته بخلاف شر الحاسد والساحر فإنه لا يعاقب عليه إذ لا يضاف إلى كسبه ولا إرادته فلهذا أفرد شر الشيطان في سورة وقرن بين شر الساحر والحاسد في سورة وكثيرا ما يجتمع في القرآن الحسد والسحر للمناسبة .
بدائع الفوائد لابن القيم 2 / 458- 459 .
جمعه وكتبه أبو عبد الله : محمد بن محمد المصطفى .