من أسرار القرآن الكريم ووجوه إعجازه :
أنه يتضمن المعاني العديدة في الكلمات المعدودة ،
وأنه لو نزعت منه لفظة واحدة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد احسن منها لا يوجد والأمثلة التي تدل على هذا لا تعد ولا تحصى ومنها ما يكشفه لنا المثال التالي :
قال تعالى ( وليطوفوا بالبيت العتيق )
والمقصود بذلك الكعبة المشرفة عند جميع المفسرين .
والسؤال : لماذا قال (العتيق ) ولم يقل القديم مثلا ؟
والجواب : لأن في هذا الكلمة معاني متعددة لا توجد في غيرها من الكلمات الأخرى لتسد مكانها
ولذلك اختلف المفسرون في وجه صفة البيت الحرام بالعتيق على أقوال متعددة :

القول الأول
قال الحسن و ابن زيد : سمي به لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس يقال : دينار عتيق وسيف عتيق أي قديم .
قال ابن عطية والقرطبي : وهذا قول يعضده النظر
وفي الصحيح :( أنه أول مسجد وضع في الأرض )

والقول الثاني
سمي عتيقا ، لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار بالهوان إلى انقضاء الزمان ، قال معناه ابن الزبير وابن عباس ومجاهد وقتادة .
وفي الترمذي عن عبد الله بن الزبير قال : قال رسول الله :( إنما سمي البيت العتيق لأنه لم يظهر عليه جبار ) قال : هذا حديث حسن صحيح ، وقد روي عن النبي مرسلا
قال العلماء : وقد قصده تبع ليهدمه فأصابه الفالج فأشير عليه أن يكف عنه
وقيل : له رب يمنعه فتركه وكساه وهو أول من كساه
وقصده أبرهة فأصابه ما أصابه
فإن ذكر ذاكر الحجاج بن يوسف ونصبه المنجنيق على الكعبة حتى كسرها قيل له : إنما أعتقها عن كفار الجبابرة لأنهم إذا أتوا بأنفسهم متمردين ولحرمة البيت غير معتقدين وقصدوا الكعبة بالسوء فعصمت منهم ولم تنلها أيديهم كان ذلك دلالة على أن الله عزّ وجل صرفهم عنها قسرا فأما المسلمون الذين اعتقدوا حرمتها فإنهم إن كفوا عنها لم يكن في ذلك من الدلالة على منزلتها عند الله مثل ما يكون منها في كف الأعداء فقصر الله تعالى هذه الطائفة عن الكف بالنهي والوعيد ولم يتجاوزه إلى الصرف بالإلجاء والاضطرار وجعل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر

والقول الثالث
سمي عتيقا لأنه لم يملك موضعه قط
قاله مجاهد وسفيان الثوري

والقول الرابع
سمي عتيقا لأن الله عزّ وجل يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب
فهو على هذا فعيل بمعنى مفعل أي معتق رقاب المذنبين ونسبة الإعتاق إليه مجاز لأنه تعالى يعتق رقابهم بسبب الطواف به

والقول الخامس
سمي عتيقا لأنه أعتق من غرق الطوفان
قاله ابن جبير

والقول السادس
العتيق الكريم والعتق الكرم قال طرفة يصف أذن الفرس :
( مؤللتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب )
وعتق الرقيق : الخروج من ذل الرق إلى كرم الحرية

والقول السابع
ويحتمل أن يكون العتيق صفة مدح تقتضي جودة الشيء كما قال عمر : حملت على فرس عتيق الحديث
قال ابن عطية والقرطبي : والقول الأول أصح للنظر والحديث الصحيح
و قال مجاهد : خلق الله البيت قبل الأرض بألفي عام وسمي عتيقا لهذا
والله أعلم

والقول الثامن
عن ابن جبير أن العتيق بمعنى الجيد من قولهم : عتاق الخيل وعتاق الطير
والأفضل أن نفسر الأية الكريمة بجميع هذه الأقوال لأنها لا تتعارض وهذا من إعجاز القرآن الكريم
فجميع هذه الأقوال صحيحة وتنطبق على الكعبة المشرفة
فانظر ما أعظم هذا الكتاب وما أكثر أسراره
كلمة واحدة تعبر عن جميع هذه الأقوال وكلها تنطبق على الكعبة المشرفة ولا تتعارض
.