الهدى المنهاجي في القرآن الكريم
للدكتور الشاهد البوشيخي
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم افتح لنا أبواب الرحمة وأنطقنا بالحكمة، واجعلنا من الراشدين فضلا منك ونعمة، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
موضوع هذه الكلمة أيها الأحبة هو: الهدى المنهاجي في القرآن الكريم. ومدارها على خمس نقط:
-1 النقطة الأولى في شدة حاجة الأمة اليوم إلى الهدى المنهاجي
- 2 النقطة الثانية: مفهوم الهدى المنهاجي
- 3 النقطة الثالثة: مصادر الهدى المنهاجي
- 4 النقطة الرابعة لوازم استنباط الهدى المنهاجي
- 5 النقطة الخامسة خاتمة في ضرورة التركيز في الدرس القرآني على الهدى المنهاجي.

شدة حاجة الأمة اليوم إلى الهدى المنهاجي:
أيها الأحبة أمتنا اليوم لها واقع ولها موقع جعلها الله تعالى في موقع علي هو الشهادة على الناس لأن النبي ،خاتم النبيين وإمام المرسلين، لا نبي بعده، فمن يقوم بوظيفة البيان؟ ومن يقوم بوظيفة البلاغ؟ ون يقوم بوظيفة الإنذار؟ ومن يقوم بوظيفة الشهادة على الناس؟ كما قال الله :" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" – البقرة 143-، فقد شهد ، واشهد أمته في زمانه على ذلك، فقال فيما هو معلوم مشهور: " ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد"، بعد الرسول لا بد أن تشهد الأجيال عبر العصور حتى تقوم الساعة بنفس وظيفته ، التي نهض بها وحده أولا، وتنهض بها الأمة جمعاء من بعده، عبر الأجيال كلها. أما الأمة اليوم فليست في هذا الموقع العلي، واقعها بعيد جدا عن هذا الموقع، فكيف تنتقل من هذا الموقع الأليم إلى ذلك الموقع العلي؟ ها هنا أمامنا كتاب ربنا، فيه كل الهدى اللازم لهذا الانتقال الفردي والجماعي، على مستوى وعلى الأمة جمعاء، هذا الكتاب فيه كل ما يلزم لهذا" إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم"، هذا هو الهدي، فيجب اتباع الهدى ليحصل الاهتداء، " يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" أما الذي لم يتبع فلا هداية له.
الأمة اليوم في أشد وأمس الحاجة إلى هذا الهدى لتنتقل على كل المستويات، هي في حاجة إلى هذا الهدى على مستوى التفكير، تفكير الأفراد والجماعات والأمة جمعاء، هي في حاجة إلى هدى القرآن، لتنتقل من مستوى الاهتمام بما هي خائضة فيه الآن من التافهات – ولا بأس أن أعبر هكذا، فقد عشت اثنتين وستين سنة في هذا الوضع العام، أتفاعل معه ويتفاعل معي.
الأمة خائضة فيما لا ينبغي أن تخوض فيه، يجب ان ترتقي إلى المستوى الذي كان فيه الرسول ، وأصحابه رضوان الله عليهم، يجب أن ترتقي إلى ذلك المستوى من الاهتمام، فتجعل الآخرة هي المبتغى، "وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون"، هذه ليست هي الحياة، " يوم يتذكر الإنسان ما سعى يقول يا ليتني قدمت لحياتي يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى"، يوم يستيقظ حقا، نحن الآن في وضع السكارى، نحن غافلون، نحن نيام.. للأسف الشديد، لا بد من الاستيقاظ، والاستيقاظ يقتضي أن نعلم علم اليقين أن هذه ليست هي الحياة، قد سمها الله الحياة الدنيا، ليست هي الحياة، لأن الحياة الحقيقية لا موت فيها، " لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى" سبق قبل، تلك هي الحياة، وتلك هي التي ينبغي أن تحركنا في الصغيرة والكبيرة، عندما شخص رسول الله ، حال الأمة في مثل حالنا اليوم، شخصها بمرض إسمه الوهن، " قيل وما الوهن يا رسول الله. قال: حب الدنيا وكراهية الموت"، الارتباط بالدنيا، الاقتصار في الهم على الدنيا، حبس كل الهموم والطاقات والنفقات.. في تحصيل الدنيا، ليس هذا الوضع الصحيح الذي للمسلمين، المسلمون في حقيقته أخرويون، وليسوا دنيويين، قال الله تعال: " وابتغي فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنسى نصبك في الدنيا"، فإذا اسرفت في طلب الآخرة إذاك يقال لك، " ولا تنسى نصيبك من الدنيا"، أما الابتغاء فهو للآخرة، لا لسواها.
هذه نقطة تصحيحية للتفكير الكلي الضخم، لا بد أن يصبح التفكير في منتهاه واضحا، وفي مبتدئه واضحا، وفي الارتباط بالله والهدى الذي جاءنا منها.. لابد أن يكون في غاية الوضوح.
لابد ان يصحح التفكير، ولابد ا يصحح أيضا التعبير، في حديث معاذ بن جبل المشهور، حينما قال له الرسول صلى الله عليه ولم:" ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟" قلت بلى يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسل:" كف عليك هذا" وأخذ بطرف لسانه، فقال: أو أنا لمآخذون بما نقول يا رسول الله.قال" ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم" أو كم ا قال .
لو تأملنا في الآيات المتعلقة بهذا المجال، مثل " وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم"، أو في الأحاديث مثل" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت"، إذا تأملنا قليلا في مثل هذا، ندرك بوضوح أن المسلم الفرد يمثل محطة تصفية للنفايات القولية، للشر، للباطل، لا يمكن للمسلم أن يرسل إلا الحق، إلا ما ظهرت خيريته. أما لم يكن غير ذلك فيرمى جانبا، إلى أن يكثر الخير في التداول، ويقل الشر في التداول أيضا. إن المسلم –كما قلت- محطة تصفية في الوجود، لا يسمح للشر بالمرور ولو استقبله لضرورة، لأن الله جعلت أجهزت الاستقبال لا تغلق، أما أجهزت الإرسال فهي تغلق، يمكن التحكم فيه، يمكن للمسلم أن يستقبل الخير والشر، لكن لا يرسل إلا الخير، فإذا حاصرت أنت الشر، وحاصرته أنا، وحاصره غيرنا فما الذي سيتداول؟ سيتداول الخير.
نحن في حاجة إذن لهذا الهدى المنهاجي أيضا في التعبير، ونحتاجه في التدبير، وذلك لأمور ثلاث مهمة:
- لتيسير الذكر، لقد حملت هذه الأمة الأمانة، ويجب أن تيسرها للناس، تحملها هي بجدارة ثم تبلغا للناس، قال تعالى" ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر"، ثم تعمير الأرض وفق هذا الذكر نفسه، وكذلك تسخير الكون كله وفق هذا الهدى نفسه.
كل ذلك مطلوب وهو صلب التدبير، فأي فعل صدر من العبد في أي اتجاه، يجب أن يحكمه هدى القرآن الكريم.
والأمة اليوم في تدبيراتها، على كل المستويات، على مستوى مؤسسات المجتمع المدني، ومستوى الحكومات، وعلى مستوى أهل الأمانة.. في أنحاء العالم الإسلامي وفي أنحاء الأرض كلها، هل هم اليوم يهتدون بهدي القرآن في أمورهم الخاصة والعامة. هذا لا يمكن أن ندعيه.

مفهوم الهدى المنهاجي:
مفهوم الهدى المنهاجي الذي نتحدث عنهن فيه ثلاث نقط أيضا:
أولا: ما الهدى؟
مدار الهدى في القرآن على الدلالة والبيان والإرشاد. هداه يهديه: دله بلطف، كما قال الراغب الإصفهاني، حيث قال" الهداية: هي الدلالة بلطف"، وهي التي تلائم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلامو أتباع المرسلين، فهذه الدلالة بلطفن او هذا البيان الحكيم، كل ذلك من محتويات الهدى بصفة عامة.
ثانيا:ما المنهاج؟
فهناك ثلاثة ألفاظ تستعمل: هناك النهج، وهناك المنهج، وهناك المنهاج
النهج هو الطريق، والمنهج هو الطريق، والمنهاج هو الطريق..هذا من حيث اللغة، لكن المنهج هو فأغلب استعماله في المجال الفكري، وأغلب استعمال النهج في الطرق مطلقا، وأغلب استعمال المنهاج في الطريق العملي الذي له اصل في الفكري طبعا، لكن الذي هو في البؤرة هو الطريق العملي، والذي هو في البؤرة بالنسبة للمنهج هو الطريق النظري: الطريقة النظرية التي يتم الوصول وفقها إلى حقائق معينة، أما النهج فهو الطريق التي يصار عليها للوصل إلى مقاصد بعينها.
أما إذا ركبنا الأمر وقلنا الهدى المنهاجي، يصير الأمر تلقائيا أن المقصود به: الطريقة المثلى في التفكير والتعبير والتدبير، أو الطريقة المثلى في أداء الخلافة، والطرقة المثلى في أداء العبادة، والطريقة المثلى في أداء الشهادة على الناس.
مطلوب منا –نحن المسلمين- الأداء العام كما لجميع البشر قبل أداء وظيفة الخلافة، ومطلوب أيضا أداء العبادة داخل أداء الخلافة، ومطلوب أداء وظيفة الشهادة داخل إطار الخلافة والعبادة. هذه الشهادة لها طريقة معينة يمكن التأهل لها ، ويمكن أداؤها تبعا لذلك التأهل.
فالطريقة المثلى إذن التي يرشد إليها كلام الله ، وبيانه السنة الصحيحة، والتي ترشد المسلمين خاصة والمسلمين عامة إلى الأفضل والأقوم في مختلف المجالات: التفكيرية والتعبيرية والتدبيرية، من أجل تيسير الذكر وتعمير الأرض وتسخير الكون..كل ذلك كامن في كتاب الله ، وعلى المسلمين استخراجه.

مصادر الهدى المنهاجي:
تتلخص هذه المصادر في ثلاث مصادر ايضا: القصص القرآني، والقصص الحديثي، والسيرة النبوية. في هذه المصادر الثلاث تركز الهدى المنهاجي، وإلا فهو موجود في كتاب الله كله، وموجود في السنة النبوي كلها، وموجود في السيرة النبوي الصحيحة كلها كذلك، لأن السيرة النبوية هي الوجه العملي، أو هي السنة المنظومة في الزمن.
إذا كان ما في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديث يمثل الإسلام في الوضع الأفقي، كما نقول على مستوى الرؤية، أي يستجيب للقضايا الفقهية، كل ذلك هو عرض للصورة التي انتهى إليها، لكن السيرة النبوية تعرض ذلك نفسه بطريقة تنمو وتتطور منذ أن ابتدأ نزول القرآن إلى أن اكتمل نزوله. كل ما قاله ، قاله بين "إقرأ بسم ربك" وبين "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا"، قاله بين بداية بعثته وبين انتهاء نزول الوحي، في تلك الفترة كل ما قاله مما نجده في كتب السنة، قاله في تلك الفترة، وقاله عبر زمان، وفي ظروف بعينها، وكان يحلل ما يتنزل من القرآن على أرض الواقع، يجعله واقعا في الحياة التي كانت تتشكل حينئذ وفق الهدى المنهاجي الذي جاء في القرآن.
فإذن يتركز الهدى المنهاجي في القصص القرآني، لأن الله تعالى قال لرسول وقال للأمة جمعاء: " أؤلئك الذين هدى الله فبهدام اقتده"، ونحن نقرأ في كل ركعة في سورة الفاتحة: " اهدنا الصراط المستقيم" أي صراط؟ " صراط الذين أنعمت عليهم"، هؤلاء الذين أنعم الله عليه، كما في الآية الأخرى: وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً النساء 69 .هؤلاء الذين أنعم الله تعالى عليه رأسهم الأنبياء والمرسلون.فأين يتركز الهدى المنهاجي إذن؟ أقول يوجد مركزا في القصص القرآني" لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب" من هناك ينبغي أن يستفاد، في كل قصة فوائد غزيرة، وفي مجموع القصص فوائد أكثر، وعندما يرتبط ذلك بما هو آت يصبح أعظم فائدة.
ويوجد الهدى المنهاجي أيضا في القصص الحديثي والأمثال النبوي أيضا.
والمصدر الثالث هو السيرة النبوية، والتي هي الإطار الزمني لنزول الوحي ، والإطار الزمني للبيان النبوي. لما؟ لأنها قصة النبي الخاتم، والسيرة النبوية صدى عملي للقرآن الكريم، الذي نزل أولا من القرآن صار أولا من السيرة، والذي نزل بعده صار واقعا بعده، إلى أن تمت النعمة واكتمل الدين. هذه الحقيقة تجعلنا ننظر إلى السيرة النبوية في علاقتها بالقرآن الكريم نظرة جديدة مهمة في زمننا هذا، لأن لابد من الانتقال من واقع الأمة اليوم إلى الموقع الذي يريد الله منا أن نكون فيه، وهو موقع الشهادة على الناس، وسبيل هذا الانتقال هو الاستفادة من هدى السيرة النبوية مربوطة بالقرآن الكريم، أو من القرآن الكريم مربوطا بالسيرة النبوية، لأن كثرا من الوقائع موجودة مفصلة في القرآن الكريم. انظر إلى غزوة أحد وما فيها من الحكم والأحكام والعبر في سورة آل عمران. انظر إلى غزوة الأحزاب في سورة الأحزاب. انظر إلى غزوة بدر في سورة الأنفال.. وقائع كثيرة في النبي الخاصة والعامة في الفترة المكية والفترة المدنية مفصلة في القرآن الكريم أكثر مما هي مفصلة في السيرة نفسها. فلا يمكن دراسة السيرة بمعزل عن القرآن، ولا يمكن دراسة القرآن من هذه الزاوية بمعزل عن السيرة.
فهذه النقطة في غاية الأهمية ولابد من الالتفات إليها.

لوازم استنباط الهدى المنهاجي:
فما الذي يلزم لاستنباط الهدى المنهاجي؟ هو أمر متيسر لكنه يأتي بعد تلاوة القرآن الكريم، وبعد فهمه والعمل به. فما الذي يلزم لهذا الاستنباط؟
يلزم إتقان ما يلزم لفهم القرآن بدأ باللسان، واللسان في القرآن هو ما نسميه اليوم باللغة، " وإنه لتزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين تكون من المنذرين بسلن عربي مبين" فهم أي نص لابد من التمكن من المقال والتمكن من المقام، فيلزم التمكن من علوم المقال وعلوم المقام. لابد من إتقان اللغة العربية، الذي لا يتقن اللغة العربية يحال بينه وبين استنباط هذا الهدى، ولذلك لابد من السير في هذا الاتجاه بقوة، لابد من التمكين للغة العربية في مختلف المجالات: في التعليم والإعلام والإدارة.. وفي الحياة العامة، لإيجاد مستوى لغوي عربي عام يؤهل الإنسان لتلقي القرآن، ويحضره للمراحل القادمة للاستنباط من القرآن. هذه النقطة في غاية الأهمية والخطورة في الأمة اليوم، ولذلك تصدى لها الاحتلال بقوة وزاحمها بالعاميات، وزاحمها بالغات الأجنبية ولازال يزاحمها، لكن على المسلمين أن يفقهوا الخطر، ويكونوا في مستوى التحدي.هذا عن المقال.
ثم التمكن من المقام الذي نزل فيه القرآن، يجب أن نعلم أن المتكلم بالقرآن هو الله ، وفيه دليله: " أو لم يكفيهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم" اقرؤوا القرآن ستجدون بوضوح أن القرآن ليس كلام محمد ، ولا يمكن أن يكون كلام العرب، جميعا شعراء وخطباء.
النبي ينطق بالقرآن وينطق بالسنة، اقرأ هذا، واقرأ هذا ستجد البون شاسعا بينهما، اقرأ القرآن الكريم، واقرأ صحيح البخاري أو صحيح مسلم، ستجد الفرق، القرآن الكريم له بناء خاص، جزئي وكلي، بناء خاص له مقدمة وخاتمة... لابد من اليقين بأن المتكلم هو الله ، لأن فهم الخطاب يتطلب معرفة صاحبه، ثم لابد من معرفة من المخاطب- بفتح الطاء- سواء النبي ، أو الفترة بكاملها، من العرب إذاك؟ ما مكة؟ ما المدينة؟ كيف كان حال العرب؟ كيف هم وكيف عاداتهم في الخطاب؟ لابد أن نعرف هذا المقام، فهذه الأمور مما يدخل في علوم القرآن بصفة عامة، خصوصا ظروف النزول، وما يتصل بالنزول، وما يتصل بالتدوين.. كل ذاك لابد من العلم به، لتسير هذه الخطوة. هذا الشرط الأول: إتقان ما يلزم لفهم القرآن بدا باللسان.
النقطة الثانية هي الإيمان بالقرآن وارتداء لباس القرآن، وعبرت باللباس لأن الله عبر باللباس " ولباس التقوى ذلك خير". والنبي كان خلقه القرآن، والتقوى لباس يلبس، بمعنى يجب أن يكون ظاهرا في كل جوارح العبد.
قلت لابد من الإيمان لأن الله تعالى قال" قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد" فلا يسمعون، لأن لا صلة لهم بالقرآن. فالذي لا يؤمن بالقرآن لا يمكن أن يفهم القرآن، وذلك لا يمكن أن نأخذ عنه علم القرآن. والذي لا يعمل بالقرآن لا يمكن ان يؤخذ عنه لا القرآن ولا علم القرآن. لأن العمل بالقرآن يعطي نورا" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتيكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به"، وهذا النور لا يكون بغير التقوى، لذلك فالإيمان بالقرآن والعمل به شرط في فهم القرآن نفسه.
النقطة الثالثة: هي فقه حاجة الأمة في هذا الزمان. إن الذي يتصدى لاستنباط الهدى المنهاجي لا يكفيه أن يكون عليما باللغة العربية، عليما بعلوم القرآن، مؤمنا بالقرآن وبهذا الدين، عاملا به، بل لابد ان يكون فقيها بظروف زمانه وفي حاجات الأمة اليوم، يعيش معانات الأمة، ويعرف واقعها، وهذا يقتضي المعاصرة التامة والمعايشة التامة لزمانه، لأن عملية تنزيل النص على الواقع التنزيل الصحيح يقتضي العلم بالواقع المنزل عليه، ليكون القرآن حلا للمشكلات والمعضلات، حتى تصعد الأمة لموقع الوحدة والشهادة على الناس، لأنه مطلوب منها أن تصير يوما أمة واحدة، كيف تكون الولايات في أمريكا متحدة؟ وكيف تصبح أوربا متحدة؟ والأمة التي هي في الأصل واحدة ليست كذلك، لابد أن تتوحد الأمة بهجود المسلمين جميعا، حكاما ومحكومين، لابد أن يتعاون الجميع على هذا البر، لكي تعود الأمة واحدة رائدة شاهدة على غيرها.

خاتمة في ضرورة التركيز في الدرس القرآني على الهدى المنهاجي:
عندنا في الدرس القرآني ثلاث علاقات: علاقة بتراثنا القرآني، وعلاقة بحاضرنا, وعلاقة بمستقبلنا.
ينبغي أن نركز على الهدى المنهاجي عند علمائنا الأقدمون، سواء في التفاسير أو في غير التفاسير، يجب أن نبحث وننقب عن الهدى الذي يمكن أن نستفيد منه اليوم، ويدلنا الدلالة الصحيحة على كيف ننهض من جديد، وكيف نعود من جديد إلى الصراط المستقيم.
ويجب التركيز على الهدى المنهاجي في معالجة أدواء الحاضر، وأخص الذين يبحثون ويفكرون والذين يجتمعون على الخير.. كل الذين يحملون هم الأمة ويعملون على معالجته، يجب أن يعالجه على ضوء ما استخلصه من القرآن الكريم، فلا ينبغي أن نعالجه أدواء الأمة بما هو غربي أو شرقي، يجب أن نعالج أدواءنا بالهدى القرآني الذي هو من عند الله. أما الفهوم والحلول البشرية لا تستطيع ان تعالج العلاج الشافي، لأنهم لا يعلمون كل شيء، لا يعلمون الغد، ولا يعلمون الحاضر ولا الماضي، أما الله الذي يعلم السر وأخفى " ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير". فالدراسات والبحوث والمؤتمرات يجب أن تركز على هذا الأمر.
وكذلك الأمر في علاقتنا بالمستقبل، إذا استشرفنا المستقبل نستشره على ضوء الهدى المنهاجي، استنبطاناه من كتاب الله ، لنبني غدنا على أساس متين، موصولا بحاضرنا وماضينا، لا قطيعة فيه، لأن هذه الأمة عزها في دينها، فإذا فرطت فيه ضاع عزها كما نرى اليوم، وإن ما نراه اليوم من التشتت والضعف ما هي إلا نتائج لغياب هذا الهدى.
نحن الآن لا نعلم الأمة القرآن، التعليم اليوم لا يجاوز أربعة أحزاب فقط وتعطى في المرحلة الابتدائية حيث الطفل لا يستطيع أن يستفيد شيأ من هذا الذي نتحدث عنه، فهل ستة وخمسون حزبا ليست من القرآن؟ هل يوجد شيء أهم في حياة الأمة من القرآن حتى نقدمه على القرآن؟ هل يوجد؟ لا وجود له. يجب أن يصبح القرآن هو الأساس في التعليم وفي بناء الشخصية في الأمة. هذه حقيقة، وحقيقة نعلنها، هذا عين الحق الذي يجب أن يتبع، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
هذا الاستشراف يجب أن يتعاون عليه التعليم بالدرجة الأولى، والبحث العلمي، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني بصفة عامة، لنتجه جميعا اتجاه قبلة واحدة هي التركيز على القرآن الكريم واستفادة ما يمكن الاستفادة منه.
فالإدلاج الإدلاج وعند الصباح يحمد القوم السرى.