كتب صالح النعامي (غزة) : بتاريخ 26 - 9 - 2007
شرّ البلية ما يضحك... إسرائيل بعد أن جاهرت بأنها ترى في الكثير من الدول العربية شريكاً لها في الحرب على الحركات الإسلامية، رفعت سقف مطالبها من هذه الدول وحكوماتها، وباتت تطالبها بشكل رسمي وعلني بأن تخطو خطوة أخرى في هذه الحرب، لتنتقل من محاربة الحركات الإسلامية فوق أراضيها إلى المساهمة في عولمة الحرب ضد الإسلام على حد وصف دوائر صنع القرار الإسرائيلية. هذه المطالبات لم تعد حبيسة اللقاءات السرية والضيقة التي تجمع المسؤولين الصهاينة مع نظرائهم في العالم العربي، بل انتقلت للعلن. فمثلاً تعكف إسرائيل حالياً على خطة لتمرير مشروع قرار في الأمم المتحدة يحظر بموجبه على أي دولة من الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة السماح لأي حزب أو حركة إسلامية المشاركة في أي انتخابات تجرى فوق أراضيها، بزعم أن هذه الأحزاب وتلك الحركات "إرهابية وعنصرية". وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيفي ليفني أعلنت أنها التقت وستلتقي العديد من وزراء الخارجية في العالمين العربي والإسلامي لحشد تأييدهم لهذه الخطوة. وتؤكد أن إقدامها على طرح الاقتراح جاء كاستخلاص للعبر من السماح لحركة حماس بالمشاركة في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أسفر عن فوزها وتشكيلها الحكومة الفلسطينية. وبين المعايير التي تعرضها ليفني كمحددات للسماح بمشاركة أي حركة في الانتخابات ألاّ تكون منظمة مسلحة، ولا تتبنى برنامجاً سياسياً "عنصرياً". واضح تماماً أن نجاح إسرائيل في تمرير مشروع القرار يعني نزع الشرعية عن الحركات الإسلامية والوطنية التي تقاوم المحتل في فلسطين ولبنان والعراق وبقية مناطق العالم الإسلامي.
الذي يثير الاستفزاز والحنق معاً هو حقيقة أن الصهاينة يتعاملون مع الأنظمة العربية كما لو كانت مستعدة للوقوف إلى جانبهم في معركتهم ضد كل مصادر القوة والمنعة للأمة. وإن كانت خطة ليفني لا تكفي، فإن رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق الجنرال (موشيه بوغي يعلون) يدعو الدول العربية والإسلامية "المعتدلة" لتكون شريكة للغرب وإسرائيل في اعتماد إستراتيجية تهدف "للانتصار على حركات الإسلام الجهادي"، على حد تعبيره. ويقدم (يعلون) خطة متكاملة تهدف إلى تحقيق هذا الهدف بالتعاون مع الدول العربية، تجمع بين الوسائل السياسية والاقتصادية والإعلامية والتربوية والعسكرية. وتنص خطة (يعلون) على وجوب عدم خضوع الغرب والدول العربية والإسلامية "المعتدلة" لمطالب الحركات الإسلامية وبأي حال من الأحوال، إلى جانب قيام هذه الدول بدور في الحرب التي يخوضها الغرب ضد كل الحركات الإسلامية، بحيث يتبنى قادة العالم الغربي وقادة الدول العربية مبدأ "الهجوم هو أفضل دفاع". وينصح (يعلون) قادة الغرب بإرساء دعائم نظام عالمي جديد يسمح بتوفير أفضل الظروف لمحاربة حركات الإسلام الجهادي والدول التي تساندها، عن طريق العزل والعقوبات الاقتصادية ضد "الدول المارقة" وأيضاً ضد التنظيمات الإسلامية الجهادية مثل حماس والإخوان المسلمين . وينصح (يعلون) بتوجيه المساعدات الاقتصادية الغربية للدول الإسلامية التي تكون حكوماتها مستعدة لتبني مبادئ الحضارة الغربية. الذي يثير حفيظة (يعلون) أن الحركات الإسلامية على الرغم من اختلاف مشاربها، فإنها تجمع على هدف واحد وهو: استعادة الإسلام لدوره كقوة مؤثرة في حركة التاريخ، وهو ما يعتبره خطراً على إسرائيل والغرب. واللافت حقاً أن (يعلون) يرى أن مساهمة الدول العربية في الحرب ضد الحركات الإسلامية أصبح أمراً ضرورياً وملحاً بعد أن خسرت أمريكا حربها في مواجهة الإسلام بعد أن تورطت في العراق، معتبراً أن الوجود الأمريكي في العراق قد أصبح مصدر قوة للحركات الإسلامية.
الذي يثير المرارة في النفس أن جرأة ليفني و(يعلون) على طرح هاتين الخطتين ورهانهما على مشاركة الدول العربية والإسلامية في إنجاحهما يأتي من باب الاستخفاف بوعي قادة هذه الدول الديني والوطني والأخلاقي. فليفني و(يعلون) يدركان أن أحداً من المسؤولين العرب الذين يراهنان على دورهم في الحرب ضد الحركات الإسلامية بوصفها حركات "إرهابية" لن يقوم بتوبيخهما على هذا الاستخفاف. فهل يعقل أن يقبل القادة العرب وصف الحركات الإسلامية التي تمثل الجزء الأصيل من نسيج الأمة الاجتماعي والوطني والقومي بالحركات الإرهابية، دون أن يشيروا إلى أبحاث المؤرخ والباحث الإسرائيلي (إيلان بابه) التي تؤكد بالتوثيق التاريخي الدقيق أن الحركة الصهيونية اعتمدت "الإرهاب" الموجه ضد المدنيين الفلسطينيين كالوسيلة الأهم في دفعهم للفرار من منازلهم، مشيراً إلى أن إسرائيل واصلت العمليات الإرهابية بعد الإعلان عنها؟ كان بإمكان المسؤولين العرب أن يقرؤوا كتابات المفكرين والكتاب الإسرائيليين من أمثال (بي ميخائيل) و(جدعون ليفي)، وغيرهما الذين يؤكدون أن إسرائيل تكثف عملياتها الإرهابية ضد المدنيين الفلسطينيين. وكيف يسمح المسؤولون العرب لليفني بإعطائهم محاضرات حول "عنصرية" الحركات الإسلامية، في الوقت الذي يؤكد فيه رئيس الكنيست الأسبق (أبراهام بورغ) أن جميع الأحزاب الإسرائيلية هي أحزاب عنصرية، بل ويتقاطع بعضها مع الأيدلوجية النازية. ألا يعرف وزراء الخارجية العرب الذين يتنافسون على لقاء ليفني في السر والعلن أنها بنت إيتان ليفني الذي كان قائداً لشعبة العمليات في المنظمة الإرهابية الصهيونية (اتسل)، التي كان يقودها مناحيم بيغن، وتولت قبل العام 1948 تنفيذ عمليات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين. وبسب ميله الفطري للقتل والإرهاب ضد المدنيين الفلسطينيين، فقد كان زملاؤه يطلقون عليه لقب (الشيطان يروحام)؛ فقد شارك في ارتكاب كل المجازر التي نفذتها (اتسل) ضد المواطنين الفلسطينيين قبل العام 1948، وكان (ايتان) له دور بارز بشكل خاص في مجزرة (دير ياسين). و ليفني نفسها كانت ضابطة في جهاز الموساد، وتولت المشاركة في تسهيل عمليات التصفية التي طالت العشرات من قادة حركات المقاومة الفلسطينية في الخارج.
أما (يعلون) فيكفي هنا الإشارة إلى ما قاله عندما تسرح من الخدمة العسكرية في نهاية العام 2005 عندما قال إنه لا يشعر بأي قدر من الندم على الآلاف من المدنيين العرب والفلسطينيين الذين قتلهم بيده أو أشرف على قتلهم خلال خدمته العسكرية.
إذن يا سادة، ليس المطلوب المساهمة في عولمة الحرب ضد الإسلام، بل أسلمة وتعريب الحرب ضد إسرائيل وكر الإرهاب ودفيئة المجرمين.
المصدر: الإسلام اليوم
نقلا عن
http://www.almesryoon.com/ShowDetail...D=39027&Page=5