أنقله من مقالة بعنوان (التعليم الديني: واقع وآفاق) لرياض أدهمي، منشورة في مجلة الرشاد على الرابط التالي.

أوجز الدكتور عدنان زرزور في بحثه المقدم في مؤتمر علوم الشريعة الشروط التي تعين على تطوير علم تفسير القرآن بأربعة شروط :

1. استحضار الغرض الأساسي الذي نزل القرآن الكريم من أجله ، أو انطلاقه من هذا الغرض و تأسيسه عليه ، و المتمثل في إخراج الأمة الوسط ( النموذج أو المثال ) التي تشهد على الناس ( سائر الأمم ) الأمر الذي يتيح للمفسر أو يفرض عليه الشهود الحضاري الدائم (وليس الغياب التاريخي المذهل ) . و لا يتحقق مثل هذا الشهود بغير إطراد حركة التفسير ، من جهة ، و بغير الإلمام بحياة الناس أو الأمم الأخرى القائمة من حول المفسر - أو في عصره - و الوقوف على ثقافاتها ، و بخاصة الأمم السائدة على مسرح التاريخ ، أو تلك التي نازعت المسلمين حق الغلبة و السيادة من جهة أخرى .

2. يشترط في التفسير المعاصر ملاحظته للموضوع الأساس للقرآن ، و هو الإنسان و ليس الطبيعة . أي الثقافة و علوم الإنسان و ليس العلم التجريبي أو علوم الكون . فموضوع القرآن هو الإنسان ، وإن الحديث عن الطبيعة جاء في هذا السياق ( توجيه الإنسان إلى الطبيعة و الكون فهماً وتجاوباً و تسخيراً ) . و تأسيساً على هذه الملاحظة أو القاعدة فإن المعاصرة الحقيقية في تفسير القرآن تقتضي الوقوف الطويل - و المقارن - أمام حقائق الإجتماع الإنساني التي جاءت بارزة في القرآن و ممتدة بدءاً بالحديث عن النفس الإنسانية التي كشف القرآن عنها للإنسان ، و وقفه على سبل صلاحها و فلاحها ، و سبل غوايتها و ضلالها ، و مروراً بعد ذلك بالأسرة و روابطها الأخلاقية و الإقتصادية ، و انتهاءً بعوامل قيام المجتمعات و سقوط الأمم و الحضارات .

3. و أخيراً فإن من أبرز شروط التفسير المعاصر : محاولته تجاوز عصر الخلاف ، أو عصر المذهبية الفكرية في تفسير القرآن التي وقع أصحابها في خطأ المقرر الفكري المسبق . إن معظم المفسرين القدامى دخلوا النص القرآني بمثل هذا المقرر ، تأثراً أو استجابةً لنزعة كل منهم الكلامية أو المذهبية . لقد عمدت الفرق الكبرى في الإسلام أو المدارس الكلامية إلى بعض أجزاء صورة الموضوع الواحد ، فجعلتها أصلاً كاملاً أو مقرراً فكرياً مسبقاً ، الأمر الذي اضطرت معه إلى إدخال سائر أجزاء صورة الموضوع الواحد في باب التأويل .

4. و من هنا فإن أي تفسير أو خضوع مباشر للمدلولات القرآنية ، و على النحو الذي ينفي عن آيات القرآن الخلاف أو التعارض ، يعد من أبرز ما يناط بنا من أصول التعامل المعاصر مع القرآن ، و صولاً أو عودة بهذه الأمة الممزقة إلى عصر الفهم الذي يكون الخلاف فيه خلاف تنوع لا خلاف تضادّ . و إذا صادف أن وجدنا أن المعنى أو المدلول الذي تشير إليه آيات الموضوع الواحد، بعد الجمع والتصنيف ، و ملاحظة السياق و السباق ، و مقاصد الشريعة و قواعد الكتاب . . . الخ سبق أن قال به أو ذهب إلى مثله معتزلي أو أشعري مثلاً ، فهذا تفسير للقرآن ، و الذي يذهب إليه من المفسرين و الشّراح في أي عصر لا يسلكه في عداد الأشاعرة أو المعتزلة ، و لا يجوز أن يجعل منه - أي المفسر - مكلفاً محسوباً على تلك الفرق التاريخية أو منتمياً إليها . و لا يجوز لنا بحال أن نؤول معاني الآيات أو مدلولاتها لأننا وجدنا هذا المعنى أو المدلول مطابقاً لما ذهب إليه أحد رجالات تلك الفرق ، كأن كل هؤلاء معصومون عن الصواب أو متعمدون لمخالفة الكتاب ، أو كأن موافقتهم التي جاءت من خلال هذا المنهج السديد في الفهم تحرم و لا تجوز .